يواجه الصحافي الفلسطيني مجاهد بني مفلح رحلة تعاف قاسية ومؤلمة بعد خروجه من السجون الاسرائيلية التي وصفها بانها مقبرة حقيقية للاحياء. فقد تعرض بني مفلح البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاما لاصابات بالغة ونزيف دماغي حاد تطلب تدخلات جراحية معقدة لاستئصال جزء من عظام جمجمته وذلك بعد فترة اعتقال اداري استمرت لستة اشهر. وبين بني مفلح ان معاناته بدأت منذ لحظة مداهمة منزله والاعتداء عليه امام اطفاله وصولا الى ظروف احتجازه التي افقدته جزءا كبيرا من وزنه وقدرته على ممارسة حياته بشكل طبيعي.

واضاف الصحافي الذي يعمل محررا في موقع الترا صوت ان فترة اعتقاله كانت مليئة بالضرب والتنكيل الذي بدأ منذ اللحظات الاولى في الجيب العسكري. واوضح ان حالته الصحية تدهورت بشكل متسارع عقب الافراج عنه حيث نقل الى مستشفى ابن سينا التخصصي في جنين وهو في حالة حرجة للغاية. واكد ان صور اطفاله وخاصة طفله الصغير كانت الدافع الوحيد لصموده خلال الايام القاسية التي قضاها في معتقلات تفتقر لادنى مقومات الحياة الانسانية.

وذكرت زوجة الصحافي نهى الشرفا ان تحسنا طفيفا بدأ يطرأ على صحة زوجها الذي كان يعتمد كليا على انابيب التغذية الطبية قبل ان يستعيد تدريجيا قدرته على تناول الطعام بشكل طبيعي. واشارت الى ان رحلة اعادة التأهيل للنطق والحركة لا تزال في بدايتها وهي تتطلب جهدا كبيرا لتجاوز الاثار الجسدية والنفسية التي خلفها السجن. وشدد بني مفلح على ان اعتقاله لم يستند الى تهم حقيقية بل كان ضمن سياسة الاعتقال الاداري التي تتبعها السلطات الاسرائيلية ضد الصحافيين واصحاب الرأي.

السجون الاسرائيلية كمعسكرات تنكيل

وكشفت تقارير حقوقية دولية ومحلية عن تحول مرافق الحبس الاسرائيلية الى مراكز للتنكيل الممنهج بالبشر خاصة منذ اندلاع الحرب الاخيرة. واظهر تقرير لمركز بتسيلم الحقوقي ان العديد من معسكرات الاعتقال اصبحت تدار كشبكة تهدف الى كسر ارادة المحتجزين عبر ظروف لا انسانية. واكدت المنظمات الحقوقية ان هذه الممارسات تشمل التعذيب وسوء المعاملة المفرط بحق الاف المعتقلين الفلسطينيين.

وبينت الاحصائيات ان هناك ارتفاعا ملحوظا في اعداد الصحافيين الذين تعرضوا للاعتقال خلال الفترة الماضية مما يعكس استهدافا مباشرا للكلمة الحرة. واوضحت لجنة حماية الصحافيين ان اكثر من مئة صحافي وعامل في وسائل الاعلام وجدوا انفسهم خلف القضبان في ظروف مشابهة لما مر به بني مفلح والسمودي. واضافت ان هذه الارقام تعكس اتساع رقعة الملاحقات التي تطال الكوادر الاعلامية في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

واكدت السلطات الاسرائيلية في ردودها المقتضبة ان جميع المعتقلين محتجزون وفق القانون وان حقوقهم مصونة رغم ان الواقع الميداني وشهادات المفرج عنهم تشير الى خلاف ذلك. وشدد مراقبون على ان قصص الناجين من هذه السجون تمثل وثيقة حية على ما يعانيه المحتجزون من جوع واهمال طبي متعمد. واوضح بني مفلح في ختام حديثه ان الجوع الحقيقي الذي اختبره داخل الزنازين كان الوجه الاخر للموت الذي كان يحيط به من كل جانب.