لم تعد التوترات في مضيق هرمز مجرد مناوشات عسكرية عابرة او تفاصيل هامشية في الصراع المستمر بين واشنطن وطهران، اذ تحولت مذكرة التفاهم المبرمة بين الطرفين الى بؤرة اشتعال سياسي ودبلوماسي بفعل فقرة واحدة وصفت بالغامضة. هذه الفقرة التي كان يعول عليها لتكون مفتاحا لاستعادة الملاحة الدولية، اصبحت اليوم ميدانا لتبادل الاتهامات حول تفسير بنود الادارة البحرية وحدود النفوذ في اهم ممر مائي عالمي.
واظهرت التطورات الاخيرة ان الضربات العسكرية الاميركية ضد مواقع الحرس الثوري لم تكن نهاية للمسار التفاوضي، بل جاءت كرسالة قوية تؤكد ان واشنطن لم تعد تقبل بتفسيرات طهران الملتوية للالتزامات الموقعة. واكد مسؤولون اميركيون ان استهداف السفن التجارية لم يعد يصنف كخطأ تكتيكي، بل بات يعتبر عملا ارهابيا ينم عن فشل ايراني في الالتزام بجوهر التفاهم القائم على الاداء الفعلي وليس على النيات المعلنة.
وبينت التحليلات ان جوهر الخلاف يتمحور حول الفقرة الخامسة التي نصت على بذل ايران جهودها لتأمين مرور السفن دون رسوم لفترة زمنية محددة. واضافت المصادر ان واشنطن قرأت النص كتعهد صريح بفتح المضيق، بينما رأت فيه طهران اعترافا ضمنيا بدورها القيادي في ادارة الممر، مما فتح الباب امام صراع تفسيرات جعل من النص الغامض عبئا بدلا من ان يكون اداة للتهدئة.
مضيق هرمز كأداة نفوذ استراتيجي
وتنظر طهران الى مضيق هرمز كأداة ضغط حيوية في مواجهة العقوبات والضغوط الاقتصادية، حيث ترى ان التحكم في هذا الشريان النفطي يمنحها ورقة تفاوضية تتجاوز الملف البحري لتصل الى ترتيبات الامن الاقليمي. واوضحت التقارير ان اصرار الجانب الايراني على توجيه السفن نحو الممر الشمالي القريب من سواحلها يعكس رغبة في فرض الهيمنة، وهو ما ترفضه دول المنطقة التي تخشى تحول صادراتها النفطية الى رهينة بيد طهران.
واكدت واشنطن من خلال عملياتها العسكرية الاخيرة انها عازمة على منع ايران من استغلال الغموض اللغوي لتثبيت امر واقع على الارض. واضافت ان الادارة الاميركية تسعى لفرض معادلة قوة جديدة تمنع طهران من التلاعب بالمهل الزمنية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطوط التواصل الفني مفتوحة لدفع الجانب الايراني نحو تفسير اكثر واقعية وشفافية للفقرة الخامسة من الاتفاق.
وكشفت التطورات السياسية ان غياب الرؤية الموحدة داخل مراكز القرار في طهران يزيد من تعقيد المشهد، حيث تتنازع المؤسسات المدنية مع الحرس الثوري حول تفسير بنود التفاهم. واوضحت ان اي اتفاق مستقبلي سيظل هشا ما لم تكن هناك جهة ايرانية قادرة على الزام كافة الاجنحة العسكرية والسياسية بما يتم التوقيع عليه، وهو ما يضع الوسطاء امام تحد حقيقي لتقريب المسافات في ظل ضبابية المشهد الداخلي الايراني.
تحديات المستقبل والقرار الايراني
وخلص الخبراء الى ان استمرار المفاوضات الفنية لا يعني بالضرورة وجود رغبة في السلام، بل قد يكون شراء للوقت من كلا الطرفين لمحاولة تغيير الواقع الميداني. واكدوا ان الكرة الان في ملعب طهران التي تواجه ضغوطا داخلية وخارجية لتقديم تنازلات ملموسة، خاصة بعد ان اصبحت الفقرة الخامسة من المذكرة عنوانا للفشل الدبلوماسي بدلا من ان تكون جسرا للعبور نحو استقرار المنطقة.
وبينت القراءات ان واشنطن لن تتراجع عن مطالبها بفتح المضيق وتأمين الملاحة كشرط اولي لاي حوار لاحق حول الخدمات والادارة البحرية. واضافت ان المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما اذا كانت المذكرة ستنهار تماما ام انها ستخضع لتعديلات قسرية تفرضها موازين القوى على الارض، مع بقاء الغموض سيد الموقف في ظل غياب ضمانات تنفيذية واضحة من الجانب الايراني.
