تتصاعد حدة القلق في الاوساط اللبنانية مع تجدد التوترات الميدانية بين الولايات المتحدة وايران، حيث انعكست الضربات المتبادلة بين الطرفين بشكل مباشر على المشهد السياسي والامني في لبنان. وتأتي هذه التطورات في ظل تعثر واضح في تنفيذ اتفاق الاطار الخاص بالحدود الجنوبية، وسط استمرار العمليات العسكرية المتبادلة التي تثير مخاوف جدية من انزلاق الاوضاع نحو حرب شاملة لا تحمد عقباها.
واكد مراقبون ان الجبهة اللبنانية لم تعد مجرد ساحة محلية، بل اصبحت مرتبطة عضويا بحجم التفاهمات او الخلافات بين واشنطن وطهران. واشار محللون الى ان بقاء الجبهة ضمن سقف التصعيد المضبوط خلال الفترة الماضية بات مهددا بفعل المتغيرات الاقليمية المتسارعة، مما يضع لبنان امام منعطف خطير قد يؤدي الى تغيير المعادلات الميدانية القائمة في لحظة واحدة.
وبين خبراء استراتيجيون ان ما يجري حاليا لا يعني بالضرورة انهيارا كاملا في قنوات التواصل بين القوى الكبرى، بل يندرج ضمن استراتيجية الضغط المتبادل لتحسين شروط التفاوض. واوضحوا ان اي انهيار حقيقي في التفاهمات الاقليمية سيؤدي حتما الى تحويل الجبهة اللبنانية الى ميدان مفتوح، حيث لن يقف اي طرف مكتوف الايدي امام محاولات فرض واقع جديد على الارض.
رهانات اقليمية ومسارات التفاوض
واضاف محللون ان رفض بعض الاطراف اللبنانية لمسار المفاوضات الجارية يعكس ارتباطا وثيقا بالاجندة الايرانية التي تسعى للحفاظ على اوراق قوتها في المنطقة. وشددوا على ان استمرار التوتر الميداني يوفر ذريعة دائمة لاي طرف للعودة الى المواجهة العسكرية الشاملة، خاصة في ظل فشل الضمانات الدولية في تقديم حلول جذرية تنهي حالة الاستنزاف التي يعيشها الجنوب اللبناني منذ فترة طويلة.
وكشفت مصادر مطلعة ان واشنطن تبدي في الاونة الاخيرة جدية اكبر في متابعة الملف اللبناني من خلال تحركات دبلوماسية وعسكرية مكثفة. واظهرت زيارات المسؤولين العسكريين الاميركيين الى بيروت رغبة اميركية في ضبط ايقاع الجبهة ومنع خروجها عن السيطرة، وهو ما يترجم من خلال تعيين شخصيات قيادية للاشراف المباشر على تنفيذ الترتيبات الامنية في المناطق الحدودية.
واوضحت التحليلات ان طهران تدرك جيدا ان اوراقها الاقليمية هي وسيلتها الوحيدة لانتزاع مكاسب في اي تسوية مستقبلية. واكدت ان تشدد الحزب في مواقفه يظل مرهونا بالاشارات القادمة من الخارج، حيث يظل القرار النهائي مرتبطا بمدى حاجة ايران لاستخدام اذرعها في لبنان كاداة ضغط او كمنصة للمواجهة في حال فشلت المساعي الدبلوماسية في تهدئة الموقف.
الجدية الاميركية ومستقبل التهدئة
وبينت الوقائع الميدانية ان الجانب اللبناني بات اكثر حذرا في التعامل مع المبادرات الاميركية، خاصة بعدما تبين ان النتائج السابقة لا تلبي الطموحات الوطنية. واشار مراقبون الى ان ربط المشاركة اللبنانية في الاجتماعات الدولية بتنفيذ خطوات ملموسة على الارض يعكس رغبة رسمية في الحصول على ضمانات حقيقية بعيدا عن الوعود الانشائية التي لم تغير من واقع الميدان شيئا.
واضاف خبراء ان التحركات الاخيرة للسفارة الاميركية في بيروت، بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بالاشراف على المناطق التجريبية، تعكس توجها اميركيا للامساك بزمام المبادرة في الملف اللبناني. واكدوا ان هذا الحراك يهدف الى منع حدوث اي فراغ امني قد تستغله الاطراف المتصارعة لجر لبنان الى مواجهة غير محسوبة النتائج في ظل ظروف اقليمية بالغة التعقيد.
واختتم المحللون بالاشارة الى ان الايام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد وجهة الصراع، حيث تتوقف الامور على مدى نجاح المساعي الاميركية في احتواء التوتر. واوضحوا ان استمرار الاشتباكات المحدودة قد يكون هو السقف الاعلى المسموح به حاليا، الا ان اي خطأ في الحسابات الميدانية قد يغير قواعد اللعبة ويضع المنطقة برمتها امام سيناريوهات الحرب المفتوحة التي يخشاها الجميع.
