في مشهد يعكس قوة الارادة وسط ظروف النزوح القاسية على شاطئ بحر غزة، ابتكر مجموعة من النازحين حلولا يدوية بسيطة لمواجهة ازمة شح المياه الخانقة التي تفتك بمخيماتهم. وقد دفعهم انعدام الامدادات وصعوبة وصول صهاريج المياه الى المناطق الرملية الوعرة نحو حفر آبار بدائية داخل خيامهم، في محاولة يائسة لتأمين قطرات الحياة اليومية وتخفيف العبء عن مئات الاسر التي تعاني من العطش ونقص الخدمات الاساسية.
وقال محمد زايد، وهو نازح من شمال قطاع غزة يقيم في مخيم يضم مئات الخيام، ان السكان كانوا يضطرون لقطع مسافات طويلة تصل الى نصف كيلومتر لجلب غالون واحد من الماء، نظرا لتعذر دخول المركبات الى المنطقة الرملية. واضاف زايد ان المعاناة كانت تدفع البعض لاستخدام مياه البحر المالحة في الاغراض المنزلية، مما دفعه للمخاطرة بحفر بئر داخل خيمته رغم التحذيرات من انهيار التربة الرملية الهشة.
وبين زايد انه واصل الحفر حتى عمق اربعة امتار، متوقعا الوصول لمياه مالحة لقربه من الشاطئ، لكن المفاجأة كانت العثور على مياه عذبة صالحة للاستخدام الادمي. واكد ان هذا الاكتشاف غير المتوقع ساهم في تخفيف معاناة سكان المخيم بنسبة كبيرة، حيث باتت هذه البئر مصدرا رئيسيا للمياه لغسل الملابس والاواني والاستحمام، مما اعاد بصيص امل للنازحين المحاصرين بالازمات.
تحويل رمال النزوح الى واحة خضراء
واوضح زايد انه لم يتوقف عند توفير المياه للشرب والنظافة، بل قرر استثمار خبرته السابقة في الزراعة لاستغلال هذه المياه في زراعة اصناف من الخضروات حول خيمته. واضاف ان هذه المبادرة لاقت رواجا كبيرا بين النازحين، حيث تم حفر عشرات الابار المماثلة بمساعدته، مما وفر المياه لكبار السن والاطفال وذوي الاعاقة الذين كانوا يعجزون عن قطع المسافات الطويلة لجلب احتياجاتهم.
وذكر ان استخراج المياه لا يزال يعتمد على الحبال والاوعية المعدنية البدائية، مما يجعله مجهدا وغير امن، مطالبا بضرورة توفير مضخات صغيرة تسهل عملية السحب. وشدد على ان توفر المياه ساهم في احياء مساحات صغيرة حول الخيام، مما وفر بعض المحاصيل الغذائية التي خففت من حدة نقص الغذاء الذي يعاني منه سكان المخيم في ظل غياب ادنى مقومات الحياة.
وكشف احد المشاركين في عمليات الحفر ان مجموعة من الشباب تعاونوا يدا بيد رغم مخاطر انهيار الحفر اثناء العمل، مشيرا الى ان كل بئر كانت تستغرق ساعات طويلة من الجهد البدني الشاق. واضاف ان نجاح هذه التجربة في مواقع متعددة داخل المنطقة دفعهم للمطالبة بدعم الجهات المعنية لتحسين الطرق الرملية وتوفير معدات الحفر، مؤكدا ان مثل هذه المبادرات الشعبية هي السبيل الوحيد للتكيف مع قسوة النزوح في ظل استمرار الازمة الانسانية.
