شهدت العاصمة الايرانية طهران في الاونة الاخيرة تحركات سياسية واعلامية غير مسبوقة تزامنت مع توترات عسكرية في مضيق هرمز، حيث استغلت السلطات الايرانية مراسم تشييع المرشد علي خامنئي لاستضافة نحو 400 مدون ومؤثر اجنبي. وكشفت هذه الخطوة عن استراتيجية رقمية معقدة تهدف الى كسر العزلة الدولية وتجميل صورة النظام امام الجمهور الغربي عبر توظيف مؤثرين لترويج رواية رسمية بديلة عن الواقع الذي تعيشه البلاد.

واضاف مراقبون ان هذا المشهد اثار حالة من الجدل الواسع داخل الاوساط السياسية الاميركية، التي اعتبرت ان هؤلاء المؤثرين تحولوا الى ادوات دعائية تخدم كيانات مصنفة على لوائح الارهاب. واكدت التقارير ان طهران تعمدت تجاوز وسائل الاعلام التقليدية والتركيز على منصات التواصل الاجتماعي لايصال رسائلها السياسية بشكل مباشر الى الملايين في الغرب، محاولة بذلك التغطية على الازمات الداخلية والضغوط العسكرية التي تواجهها.

وبينت التحليلات ان اختيار هؤلاء المؤثرين لم يكن عشوائيا، بل جاء ضمن خطة ممنهجة لهندسة السردية الاعلامية والهروب من العزلة. واشار خبراء الامن القومي الى ان النظام الايراني يحاول استغلال سذاجة بعض النشطاء الغربيين لالتقاط زوايا تصوير توحي بتماسك الجبهة الداخلية، في وقت تفرض فيه السلطات قيودا صارمة على المحتجين وتعمل على حجب الانترنت عن المناطق التي تشهد اضطرابات شعبية.

استراتيجية التجنيد الرقمي والولاءات العابرة للحدود

وكشفت متابعات دقيقة عن بروز اسماء مؤثرة في هذا الحراك، على رأسهم الناشط جاكسون هينكل الذي يقيم في موسكو، والذي ظهر في ساحة انقلاب بطهران وهو يقود هتافات مناهضة للولايات المتحدة. واوضحت التسجيلات ان هينكل الذي يمتلك ملايين المتابعين قد استغل منصته لترويج خطاب الحرس الثوري ومهاجمة الادارة الاميركية، مما جعله في مواجهة مباشرة مع انتقادات حادة واتهامات بالخيانة.

وشدد مراقبون على ان القائمة ضمت ايضا شخصيات مثل كريستوفر هيلالي، الذي يشغل منصبا محليا في ولاية فيرمونت، حيث دافع علنا عن ارث خامنئي واعتبر ممارسات النظام الايراني دفاعا مشروعا عن السيادة. وبينت تصريحات هيلالي ان هؤلاء المشاركين يتبنون خطابا يتقاطع بشكل كامل مع السردية الايرانية، متجاهلين التحذيرات الغربية من خطورة الانخراط في انشطة ترويجية لانظمة قمعية.

واكدت الناشطة كالا والش، التي كانت مرتبطة سابقا بالحملة الرئاسية لليزابيث وارن، هذا التوجه عبر ارتدائها الحجاب وتقديم خامنئي كقائد ملهم في وجه الامبريالية. واوضحت هذه المواقف حجم التحول الجذري في ايديولوجيات بعض عناصر اليسار الاميركي المتطرف، وهو ما اثار استياء واسعا في وسائل الاعلام الغربية التي وصفت هذه التصرفات بانها سقوط اخلاقي غير مسبوق.

مطالبات بملاحقة قانونية وسخط في واشنطن

واكد سياسيون اميركيون ضرورة التحرك ضد هؤلاء النشطاء، حيث طالب البعض بتفعيل قوانين الخيانة الفيدرالية التي تصل عقوبتها الى الاعدام في حالات تقديم العون لاعداء الدولة. واوضحت الباحثة ريبيكا هاينريشس ان ما فعله هؤلاء المؤثرون يقع تحت طائلة القانون الفيدرالي، مشددة على ان الترويج العلني لكيانات معادية يمثل خرقا واضحا للالتزامات الوطنية.

واضافت الناشطة لورا لومر ان هناك مطالبات متصاعدة بسحب جوازات سفر المشاركين وملاحقتهم بتهمة انتهاك قانون لوغان الذي يحظر التواصل غير المفوض مع حكومات اجنبية في حالة نزاع. وبين خبراء مكافحة التجسس ان طهران تستخدم شبكات معقدة من العملات المشفرة لتمويل هذه الرحلات الفاخرة وتغطية نفقات المؤثرين، سعيا منها لتجنيبهم الملاحقة المصرفية والقانونية في بلدانهم الاصلية.

واظهرت هذه التطورات ان طهران نجحت في استغلال مناخ الحريات في الغرب لاختراق الفضاء الرقمي، رغم ان الشارع الاميركي ينظر الى هؤلاء النشطاء كادوات دعاية رخيصة لا قيمة لها. وخلص المتابعون الى ان النظام الايراني يسعى من خلال هذه المسرحيات الى غسل سمعته الدولية والتغطية على ازماته البنيوية العميقة، مستخدما ادوات القرن الحادي والعشرين في حرب روايات قديمة ومكشوفة.