يجد الليبيون انفسهم مع كل موسم صيف امام خيارات محدودة وقاسية لقضاء اوقاتهم على الساحل، حيث تتوسع رقعة الاستثمارات الخاصة في القرى والمنتجعات السياحية بشكل مطرد، مما ادى الى تقلص المساحات المتاحة للعموم بشكل مجاني. وتواجه العائلات ضغوطا مالية كبيرة نتيجة ارتفاع اسعار الدخول والخدمات في المنتجعات التي باتت تستحوذ على افضل المواقع الساحلية، مما يطرح تساؤلات ملحة حول حق المواطن في الوصول الى البحر ومدى عدالة توزيع الموارد الطبيعية.
واضاف العديد من المواطنين ان الشواطئ المجانية المتبقية تعاني من اهمال واضح وتفتقر الى ادنى مقومات السلامة والخدمات الاساسية، الامر الذي يجعلها بيئة غير جاذبة او حتى غير امنة للعائلات. واشار مراقبون الى ان التوسع الاستثماري في قطاع المصايف اصبح يضيق الخناق على ذوي الدخل المحدود، الذين يجدون انفسهم مضطرين لدفع مبالغ طائلة للاستمتاع بيوم واحد امام مياه المتوسط.
وبينت الارقام المتداولة في الاسواق المحلية تفاوتا صارخا في الرسوم، حيث تبدا تكاليف دخول بعض الشواطئ في العاصمة طرابلس من مبالغ مرتفعة وتصل الى ارقام قياسية عند اضافة خدمات التاجير، وهو واقع يتكرر ايضا في مدينة بنغازي ومدن اخرى. واكد ناشطون ان هذه المغالاة في الاسعار تحول البحر من متنفس عام للجميع الى خدمة حصرية مخصصة فقط لاصحاب الدخول المرتفعة، بينما تترك بقية فئات المجتمع امام واقع مرير.
غياب التنظيم يفاقم معاناة المصطافين
واوضح المهندس رضوان اعواج ان تكلفة الاقامة في المنتجعات اصبحت تثقل كاهل الاسر بشكل كبير، مما يجعلها خيارا مستحيلا للكثيرين، مشددا على ضرورة تدخل الجهات الرقابية لضبط هذه الفوضى السعرية. واضافت المدونة العنود الكرامة ان استغلال الشواطئ العامة وتحويلها الى مشاريع ربحية دون سند قانوني واضح يعد تعديا على الملكية العامة، مطالبة بفرض رقابة صارمة على الرسوم المفروضة من قبل بعض الجهات التي تضع يدها على المواقع الساحلية.
واشار عضو البرلمان الليبي محمد عامر العباني الى وجود اشكالات حقيقية في ادارة الملف الساحلي، محملا الجهات التنفيذية مسؤولية غياب التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على حق المواطن. وشدد على ان الدولة مطالبة بوضع سياسات واضحة تمنع التغول على المساحات العامة، وتضمن في الوقت ذاته بيئة استثمارية منظمة لا تضر بمصلحة المواطن البسيط.
وكشفت تقارير محلية ان بعض المناطق تشهد توسعا عشوائيا في وضع اليد على الشواطئ، مما ادى الى تداخل المصالح وضياع حقوق العامة في الاستمتاع بساحل يمتد لالاف الكيلومترات. واضاف خالد العبار، رئيس الغرفة السياحية بالمنطقة الشرقية، ان الحل يكمن في خلق منظومة متكاملة تدمج بين الاستثمار المنظم والشواطئ العامة المجهزة، بحيث تقدم المصايف خدمات اضافية اختيارية دون ان تتحول الى وسيلة حرمانع لحق الوصول الى البحر.
مطالبات بوضع ضوابط قانونية عاجلة
وبين العقيد صلاح الساحلي، من جهاز الحرس البلدي، ان الشواطئ العامة هي حق اصيل لكل مواطن ولا يحق لاي جهة منع الوصول اليها. واكد ان الاجهزة الامنية تعمل على تنفيذ حملات رقابية لضمان التزام كافة الجهات بالقوانين، مشددا على ان المخالفات التي تتم تحت مسمى الاستثمار السياحي ستواجه بالاجراءات القانونية الرادعة.
واوضحت جهود السلطات في غرب البلاد، من خلال مشروع مصيف تاجوراء العائلي، ان هناك توجها نحو تطوير مرافق عامة تضاهي في جودتها المنتجعات الخاصة، وذلك في محاولة لامتصاص غضب الشارع وتوفير بدائل مناسبة. واضاف خبراء ان نجاح هذه المشاريع يعتمد بشكل اساسي على شفافية الادارة واسعار الخدمات التي سيتم فرضها، لضمان الا تكون نسخة اخرى من الاستثمارات باهظة الثمن.
واكدت التجارب السابقة في مدينة صبراتة ان مجرد ازالة المصايف القديمة لا يكفي، بل يجب ان يتبع ذلك ادارة فنية تضمن توفر المنقذين وعلامات التحذير ومعايير السلامة البيئية والصحية. وختم المراقبون بان الملف يحتاج الى رؤية وطنية شاملة توازن بين حق الاستثمار في تطوير السياحة وبين حماية الحقوق العامة للمواطنين، لضمان ان يبقى البحر متنفسا للجميع وليس حكرا على فئة دون اخرى.
