لم يعد الجدل بشان طبيعة العلاقات الامريكية الاسرائيلية محصورا في الاروقة الاكاديمية او الدوائر المغلقة، بل تحول الى قضية سياسية مركزية تثير انقساما حادا داخل الحزب الديمقراطي الامريكي. وتاتي هذه التطورات في ظل تزايد الانتقادات الموجهة لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية وقطاع غزة، متزامنة مع حراك اوروبي مكثف لفرض قيود اقتصادية على المستوطنات.

واكد مراقبون ان الساحة السياسية الامريكية تشهد تحولا لافتا في رسم حدود النقاش قبل الانتخابات الرئاسية القادمة، خاصة بعد خطاب القيادي الديمقراطي رام ايمانويل في جامعة تل ابيب، وزيارة النائب رو خانا الميدانية الى جنوب الضفة الغربية. وبينت هذه التحركات وجود تيارين متصارعين داخل الحزب، يمتدان من الوسط التقليدي الداعم لسياسات تل ابيب وصولا الى الجناح التقدمي الذي يضع الحقوق الفلسطينية في صلب اولوياته.

واضاف المحللون ان خطاب ايمانويل حمل تحذيرات غير مسبوقة بشان استمرار الدعم العسكري غير المشروط، واصفا المسار الحالي للسياسة الامريكية بانه وصل الى طريق مسدود. وشدد النائب رو خانا في المقابل على ان ما يجري في الاراضي الفلسطينية يمثل اختبارا اخلاقيا لجيل كامل من الامريكيين، مما يعكس تحولا في لغة الخطاب الرسمي داخل واشنطن.

طريق مسدود امام السياسة التقليدية

وكشفت زيارة خانا الى خربة زنوتة عن واقع ميداني قاس يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، حيث تعرض الوفد المرافق له لمضايقات من مستوطنين مسلحين دون تدخل يذكر من قوات الامن. واوضحت تقارير صحفية ان هذه الواقعة لم تكن مجرد حادث عرضي، بل جسدت معاناة يومية للفلسطينيين والنشطاء المدافعين عن حقوق الانسان الذين يواجهون مخاطر جسيمة.

وذكرت مصادر مطلعة ان فشل الحكومة الاسرائيلية في كبح عنف المستوطنين يضعف موقف نتنياهو دوليا، خاصة مع محاولاته المستمرة للتقليل من حجم الظاهرة بوصفها تصرفات فردية. واكدت هذه المصادر ان استمرار هذا النهج يدفع الحلفاء الغربيين الى المطالبة بضغوط اكثر فاعلية لحماية المدنيين ووضع حد للاعتداءات المتكررة.

واظهرت استطلاعات الرأي تراجعا ملحوظا في التاييد الشعبي لاسرائيل داخل الولايات المتحدة، لا سيما في اوساط الشباب. واشار مراقبون الى ان الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي افرزت مرشحين جددا يطالبون باعادة تعريف العلاقة الاستراتيجية مع اسرائيل وربط المساعدات بمعايير حقوق الانسان.

ضغوط اوروبية متصاعدة

وتتجه الانظار ايضا نحو الاتحاد الاوروبي الذي يناقش حاليا خيارات لتقييد التجارة مع المستوطنات، بما في ذلك فرض رسوم جمركية او حظر كامل على المنتجات القادمة منها. واشارت وثائق مسربة الى ان وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي يدرسون بجدية هذه الخيارات نتيجة تنامي النشاط الاستيطاني وتجاهل المطالب الدولية.

واضاف الاتحاد الاوروبي انه سبق ان فرض عقوبات على مؤسسات وافراد متورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان في الضفة الغربية. وبدا واضحا ان المزاج الاوروبي قد تغير بشكل جذري عقب الراي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاستيطان غير قانوني، مما يعقد العلاقات التجارية مع تل ابيب.

وبين التقرير ان الحكومة الاسرائيلية تواصل تمويل جمعيات استيطانية مثيرة للجدل رغم العقوبات الدولية المفروضة عليها، وهو ما يزيد من حدة التوتر مع العواصم الغربية. واوضح خبراء ان هذا الصدام ليس عابرا، بل يؤشر الى بداية مرحلة جديدة من اعادة تقييم التحالفات الدولية في ظل المتغيرات السياسية الراهنة.