تصاعدت التساؤلات الامنية في منطقة الجنوب الليبي عقب الهجوم المسلح الذي استهدف بوابة ارنديغا التابعة للجيش الوطني، حيث يسلط هذا الحادث الضوء على قدرات المجموعات المتمردة ومدى تأثيرها على استقرار اقليم فزان. وتأتي هذه العملية ضمن سلسلة تحركات عسكرية متكررة اثارت مخاوف المراقبين حول حجم التهديد الذي تشكله هذه التشكيلات في ظل طبيعة المنطقة الصحراوية المعقدة. وكشفت التقارير الميدانية ان العملية اسفرت عن وقوع خسائر بشرية ومادية، وسط اعلان المتمردين عن اسر عدد من العناصر والاستيلاء على اليات عسكرية في تطور لافت للمواجهات.

واضاف محللون عسكريون ان ما تنفذه هذه المجموعات يندرج تحت استراتيجية حروب العصابات القائمة على الضربات الخاطفة والانسحاب السريع، حيث تستثمر هذه القوات معرفتها الواسعة بالمسالك الصحراوية بدلا من خوض معارك تقليدية مباشرة. وبينت المعطيات ان هذه الجماعة التي تطلق على نفسها اسم غرفة عمليات تحرير الجنوب، بدأت نشاطها منذ مطلع العام الحالي عبر هجمات متفرقة استهدفت منافذ حدودية وحواجز امنية، مع محاولات مستمرة لفرض حضورها العسكري والاعلامي في المشهد الجنوبي.

واكدت القيادة العسكرية للجيش الوطني عزمها على ملاحقة المجموعات المسلحة التي وصفتها بالخارجة عن القانون، حيث تعهدت قيادات بارزة بتعزيز الامن في فزان والتصدي لاي محاولات لزعزعة الاستقرار. واوضح مراقبون ان رد الجيش جاء حاسما في محاولة لقطع الطريق امام اي تمدد لهذه العناصر التي تحاول استغلال الفراغات الامنية في المناطق الحدودية النائية.

خلفيات التشكيلات المسلحة ودوافعها في الجنوب

واظهرت دراسات امنية ان التشكيلات المسلحة النشطة في الجنوب لا تعبر عن هوية سياسية موحدة، بل هي خليط من عناصر محلية واجنبية ومرتزقة تغير ولاءاتها وفقا للمصالح المادية والظروف الميدانية. واشار خبراء في الامن القومي الى ان هذه المجموعات تضم في صفوفها بقايا مقاتلين سابقين من فصائل تشادية وعناصر محلية من قبائل التبو، مما يجعلها تشكيلا هجينا يصعب التنبؤ بتحركاته او اهدافه الاستراتيجية بعيدة المدى.

واوضح مدير مركز دراسات امنية ان نشاط هذه المجموعات يتقاطع بشكل كبير مع شبكات التهريب والنشاط غير القانوني، حيث تعمل تحت غطاء شعارات وطنية بينما يظل منطق الغنيمة هو المحرك الاساسي لتحركاتها. واكد ان هذه الجماعات تحاول توظيف الاوضاع الهشة في دول الجوار مثل تشاد والنيجر لتأمين ممرات تنقلها وتفادي الملاحقة العسكرية المباشرة التي تفرضها قوات الجيش الوطني في المناطق الاستراتيجية.

واضافت القراءات السياسية ان حالة الرفض الشعبي والقبلي لهذه المجموعات تتزايد، حيث اعلنت بلديات فزان وشيوخ قبائل التبو براءتهم من هذه التشكيلات، مؤكدين دعمهم لجهود الجيش في ترسيخ الامن ومحاربة الجريمة. واوضحت ان هذه المواقف الاجتماعية تعزز من عزلة المتمردين وتضعف من فرص نجاحهم في كسب حاضنة شعبية يمكن ان تمنحهم غطاء لمواصلة عملياتهم العسكرية.

الحرب النفسية وتأثيرها على الرأي العام

وبينت تقارير ميدانية ان المتمردين يعتمدون بشكل مكثف على تكتيكات الحرب النفسية، حيث يستخدمون منصات التواصل لبث بيانات وتسجيلات تضخم من حجم عملياتهم بهدف ارباك خصومهم وتضليل الراي العام. واكد متخصصون ان هذه الجهود الاعلامية تواجه فشلا ذريعا على الارض، حيث يدرك اهالي الجنوب حقيقة هذه التشكيلات واهدافها التي لا تخدم سوى مصالح اجندات خارجية بعيدة عن الاستقرار الوطني.

واوضح مراقبون ان التهديد الذي تشكله هذه الجماعات يظل محدودا في اطار المناكفات العسكرية، لكنه يتطلب يقظة امنية مستمرة لمنع استغلال المناطق الرخوة في الصحراء. واضافوا ان استمرار العمليات يتطلب مقاربة امنية شاملة لا تكتفي بالمواجهة العسكرية، بل تشمل تعزيز الرقابة الحدودية وتفعيل التنسيق بين المكونات الاجتماعية والجيش لضمان عدم توفير اي بيئة حاضنة لهذه العناصر.

واكدت التطورات الاخيرة ان امن الجنوب الليبي يظل رهنا بمدى قدرة الدولة ومؤسساتها العسكرية على فرض سيطرتها الكاملة على المنافذ الحيوية وقطع دابر المجموعات التي تحاول العبث باستقرار البلاد. واختتمت التحليلات بأن الرهان الحقيقي يكمن في وحدة الصف الداخلي ورفض اي محاولات لزعزعة الامن تحت مسميات واهية لا تخدم سوى الفوضى.