يبرز مشروع المسارات البديلة الذي كشف عنه المبعوث الاميركي توم براك كتحول استراتيجي قد يعيد دمشق الى واجهة الخريطة السياسية والاقتصادية الدولية. ولا يقتصر هذا التحرك على كونه مجرد مخطط تقني لنقل الطاقة، بل يمثل بوابة محتملة لادخال سوريا في معادلة المصالح الاقليمية كدولة عبور تتمتع بالاستقرار، بدلا من كونها طرفا في الصراعات المستمرة. واظهرت التوجهات الاخيرة ان واشنطن تسعى بالتنسيق مع دول اقليمية الى تطوير برنامج يهدف لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، معتمدة على مفاهيم التسليم الاحترازي التي تفرضها التحولات الامنية في المنطقة.

واكد خبراء ان العائد السياسي لهذا المشروع على سوريا سيكون هائلا، حيث يضعها في موقع الدولة التي تقدم خدمة استراتيجية للاسواق العالمية بدلا من حاجتها المستمرة للمساعدات والحماية السياسية. واضاف المستشار الاقتصادي اسامة القاضي ان هناك توافقا متزايدا بين دول المنطقة وتركيا بغطاء اميركي لجعل سوريا خيارا استراتيجيا لاستقرار تدفقات النفط والغاز، مما يعزز دورها كدولة محورية تبتعد عن سياسات الصدام نحو نهج يخدم استقرار المنطقة.

وبين الباحث عبد الوهاب عاصي ان الكلف السياسية لاي تهديد يطال البنية التحتية السورية ستصبح مرتفعة جدا، لانها لن تمس دمشق وحدها بل ستطال مصالح واشنطن وحلفائها الغربيين. واوضح ان المشروع لا يتطلب بالضرورة سلاما شاملا مع اسرائيل، لكنه يحتاج الى بيئة امنية مستقرة، وهو ما يفسر الضغوط الاميركية الاخيرة لانسحاب القوات الاسرائيلية من الجنوب السوري لضمان نجاح المسارات الحيوية للطاقة.

تحولات اقتصادية وسياسية كبرى

وكشفت التحليلات ان المشروع سينقل سوريا تدريجيا من خانة الدول المحتاجة الى شريك استراتيجي يمتلك مصالح دولية ثابتة على اراضيه. واضاف عاصي ان وجود شركات طاقة اميركية كبرى في خط يمتد الى الساحل السوري قد يؤدي الى تثبيت رفع العقوبات وتخفيض المخاطر الاستثمارية، مما يفتح الباب واسعا امام التمويل الدولي واعادة الاعمار. واشار الى ان مرور جزء ملموس من النفط العراقي عبر الاراضي السورية يجعل من استقرارها مصلحة مباشرة للعراق والدول الاوروبية.

واكد المستشار القاضي ان العلاقات السورية العراقية ستشهد تحولا جذريا نحو التنسيق الاقتصادي المثمر، متجاوزة حقبات الصراع السابقة التي اتسمت بالازمات. واضاف ان اعادة تأهيل ميناء بانياس وشبكات الانابيب ومحطات الضخ سيوفر عوائد مالية ضخمة لدمشق، تساعدها في تمويل عمليات التنمية الوطنية. واشار الى ان هذه التحركات تتناغم مع مبادرة البحار الاربعة التي تهدف لربط المتوسط بالخليج وبحر قزوين.

ووضح القاضي ان المشروع يتضمن قطارا سريعا يربط تركيا بالسعودية مرورا بالاردن وسوريا، مما يعزز الامن الغذائي والصناعي والسياحي. واضاف ان خطوط الغاز والنفط القادمة من كركوك والسعودية وقطر نحو بانياس ستجعل من سوريا مركزا اقليميا لتصدير الطاقة. وشدد على ان نجاح هذه المسارات سيقلص عبور التجارة العالمية عبر مضيق هرمز بنسبة كبيرة جدا بحلول العقد القادم، مما يكرس دور سوريا الجديد في النظام الاقتصادي العالمي.