سليم النجار
منذ البداية، لا تجرح قصص فوز أبوسنية الحياة بوصفها حدثًا متحررًا أو انفلاتًا، وإن كانت قصصًا قلقة تتشكل فيها اللغة من انشقاقها عن المألوف، وتطلق العنان لرغباتها وأهوائها، بل تمضي بالقص إلى حد الهذيان. قد تتحرر من الموجع، لكنها لا تنفيه؛ إذ تتبنى أكثر من طريقة، وترتدي أكثر من قناع، وتصبح قادرة على كشف ما كان متخيَّلنا قد صادره وغيَّبه، في فعل مواجهة للذات، وللواقع، ولمكائده.
في قصتها الأولى، التي حملت عنوان «بين الأرض والسماء»، تقول: «كانت معلقة بين السماء والأرض، مثل لحظةٍ لم تنتهِ بعد، ولم أستطع أن أقرر إن كان ذلك الشيء في داخلي قد سقط فعلًا.» (ص 15).
هكذا تومئ قصص فوز، وتشير تصريحًا إلى أبسط ما يحتاجه الإنسان من مقومات الحياة، كما في قصتها «رقمٌ في دائرة»، إذ تقول: «ولم أعتقد أنها قد احتلت شغري كاملًا؟ وبقيت في دورتك: تيك… توك… ولم أعد أعرف إن كان ما أسمعه هو صوت قلبي ينبض، أم صوت الساعة.» (ص 27).
وتتجاوز الحاجة الجمالية في قصص فوز مجالات الفنون التصويرية والبصرية؛ فثمة كفايات حسية تتحقق في موضوعات واهتمامات مغايرة لهذا المجال، كما في قصة «ذات الحذاء الأحمر»، التي تبدأ بقولها: «عدت مع والدتي وأنا أفكر بما أكتبه»، وتنتهي: «مطلوب قدم يمنى، مقاس 39، لمقاسمة حذاء أحمر جديد بكعب عالٍ، ثمن الحذاء مناصفة بين القدمين.» (ص 47).
وفي المقابل، يتوافر خطاب آخر في قصص فوز، محايد، يتجاوز العلامات والأسئلة الواقعية، يبدأ من الاعتراف بوجود علاقة غير مسبوقة ومتحققة بين النفعي والمبدأ الجمالي. وهي خلاصة قصة «قصة ناقصة»، التي تواشجت فيها حرية الخيال مع ضرورة الوظيفة: «نظر إلى الأرض، ثم إلى الدفتر، انحنى، التقطه، ونفض عنه بقايا الورق. تردد لحظةً قصيرة، وضعه تحت إبطه، ومشى وهو يقول بصوتٍ خافت: “قصةٌ فاتنة!”» (ص 67).
قصص «غبارٌ على ركبتيَّ» شديدة الملاحظة، كثيرة التنوع، ومتعددة الجوانب الاجتماعية التي يحيا الإنسان داخل بوتقتها. وأثناء السرد، ترفد الذائقة، والحساسية البصرية، والتفكير الجمالي، كما في قصة «عازف الأكورديون»، حيث تتآلف مفاعيلها في عالم افتراضي، فيتطابق الجمالي مع الاستهلاكي، والتأملي مع الوظيفي: «لكنها لم تسمعه. غابت، وكل ما بقي له هو الأكورديون، والجمهور، والخاتم في القبعة على الأرض، والرقصة الأخيرة.» (ص 96).
وثمة رؤية في الدرس الجمالي تفسر الفارق بين الموضوعين النفعي والجمالي؛ فالأول يجري تصوره في حدود الغاية ومن أجلها، وهو مبدأ يطلق على الأشياء التي تحتفظ بأداء قصصي معدّ لضرورات ما هو واقعي ومعيشي، كما في قصة «رائحة الأرض»، التي تغوص في متطلبات الحاجة الفردية، منطويةً على غاية خارج إرادة الإنسان، الذي صمم على الخروج من دائرة ضرورة الاستعمال إلى ضرورة الرؤية، التي كثيرًا ما تحمل سوادًا ما: «ونشمُّ رائحة الأرض، كأنها لم تتركنا نخرج منها تمامًا، وكأن جزءًا منا ما زال هناك، تحت السيارة، ينتظر أن يتوقف الرصاص.» (ص 107).
إن الاعتراف بوجود علاقة ماثلة بين العقل والواقع، وبين الفكر النقدي والفضاء الإنساني، هو سبيل إلى صياغة الوجود بشرط عقلانية تفضي إلى حياة أفضل، كما تقول فوز في قصتها «على بعد متر من المفتاح»: «وأترك خلفي أشلائي الجافة تتكدس فوق بعضها، وتجمع وحدها كلَّ الأغراض الثمينة التي سأخذها معي حين أنزح.» (ص 110).
إن مفاهيم مثل «التشيؤ» و**«العقل القصصي»**، التي تبتكرها القاصة فوز في قصة «دميةٌ خارج العرض»، تتجلى في قولها: «في عالم يصفق حين تسير الدمى جيدًا كما يريد، ويخفيها عندما لا تفعل.» (ص 113).
وبذريعة وصف الغرابة وعدم التوقع، التي أنهت بها القاصة فوز قصة «بالأبيض»، تقول: «ودون أن تنظر إلى ما قد يعنيه الأبيض، بعد أن ينطفئ الضوء.» (ص 131).
ولم يكن تعليل هذا الاختلاف، في رحلة لا نهاية لها، إلا تعبيرًا عن خلاصة الحياة، كما في قصة «قطارٌ آخر»: «أو ربما ما زال لديّ متسع من الوقت لركوب قطار آخر.» (ص 163).
إن مجموعة «غبارٌ على ركبتيَّ»، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع – عمّان – 2006، ترسم تشكيلًا سرديًا مثلث الأضلاع: الرؤية، والفكرة، والروح التي تبحث عن معنى للحياة بعيدًا عن النمذجة. وإن عشقت القاصة فوز، طوال قصصها، البحث عن اسم للحياة، فلم تجد أفضل من «غبارٌ على ركبتيَّ».
