بقلم محمد النجار

هناك رجال لا تنتهي حياتهم بانتهاء أعمارهم، بل تبدأ حكايتهم الحقيقية بعد رحيلهم. رجال يصنعون من زمنهم استثناءً، ثم يأتي النسيان ليغطي أسماءهم بطبقات من الغبار، حتى يعيد الأدب والتاريخ اكتشافهم من جديد. ومن بين هؤلاء يطل علينا ظاهر العمر الزيداني؛ الرجل الذي خرج من قلب الجليل في القرن السابع عشر، وحاول أن يرسم ملامح كيان قوي شبه مستقل في أرض كانت تتنازعها القوى الكبرى.

في روايته «قناديل ملك الجليل»، استطاع الروائي إبراهيم نصر الله أن يعيد لهذا الرجل حضوره الإنساني والتاريخي، فمزج بين السرد الأدبي والوقائع التاريخية بأسلوب ساحر، حتى يشعر القارئ وكأنه لا يقرأ قصة من الماضي، بل يعيش تفاصيلها لحظة بلحظة؛ يسير في طرقات الجليل إلى جانب ظاهر العمر، يسمع صهيل الخيول، ويرى غبار المعارك، ويقف معه أمام عواصف السياسة وتقلبات الزمن.

يجعلك نصر الله تشعر أنك تحارب مع ظاهر العمر في سهول البطوف، وتتجول بين قرى الجليل، وتقف قرب طبرية وعرابة، ثم تصعد إلى أسوار عكا شامخًا أمام البحر، تنظر إلى السفن الراسية في مينائها وهي تحمل القطن الذي ازدهرت زراعته في المنطقة وتنقله من ميناء حيفا إلى الأسواق الأوروبية، في مشهد يكشف أن مشروع ظاهر العمر لم يكن مشروع حرب وسلطة فقط، بل كان مشروع اقتصاد وعمران ونهضة.

لم يكن ظاهر العمر مجرد حاكم محلي يبحث عن النفوذ، بل كان رجل دولة يمتلك رؤية سياسية استثنائية؛ استطاع بدهائه أن يوسع نفوذه، وأن يبني شبكة من التحالفات، وأن يدير لعبة سياسية معقدة بين القبائل والمدن والقوى الإقليمية. لقد كان يعرف كيف يرقص فوق رؤوس الثعابين، وكيف يحوّل موقعه الصعب إلى قوة، حتى أصبح نفوذه يشكل تحديًا حقيقيًا للسلطة العثمانية في بلاد الشام.

لكن عبقرية الحكم لا تكتمل بالسيف وحده، فالدول لا تُبنى بالمعارك فقط، بل بالمدن التي تحمل روحها وتحمي مستقبلها. ولهذا اهتم ظاهر العمر بالعمران والتحصين، فجعل من عكا عاصمة لحكمه، وعمل على تعزيز أسوارها ودفاعاتها، لتصبح واحدة من أهم المدن المحصنة على ساحل البحر المتوسط. تلك الأسوار التي ستثبت قيمتها بعد عقود عندما وقفت عكا في وجه حملة نابليون بونابرت سنة 1799، وأوقفت زحف الجيش الفرنسي نحو الشرق، لتتحول المدينة إلى شاهد على صراع الإمبراطوريات.

وفي طبرية أيضًا ترك ظاهر العمر أثره، فأعاد بناء أسوارها وحصّنها لتكون مركزًا آمنًا لنفوذه في الجليل. لم يكن يبني حجارة فقط، بل كان يبني فكرة؛ فكرة أن المدن يمكن أن تكون حصونًا للحياة والكرامة والازدهار، وأن قوة الحكم لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بما يتركه خلفه من عمران وذاكرة.

لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر المعارك ليست دائمًا تلك التي تخاض في ساحات القتال، بل تلك التي تأتي من داخل الصفوف. فقد كان سقوط ظاهر العمر يحمل في طياته مأساة الخيانة قبل أن يكون هزيمة عسكرية. فعندما عجزت السيوف عن إسقاطه، بحثت المؤامرات عن ثغرة في جدرانه، وكانت الثغرة هذه المرة هي الإنسان نفسه؛ أولئك الذين اختاروا طريق الغدر، وقدموا الولاء لمن أرادوا إسقاط المشروع الذي كانوا جزءًا منه.

إن الخيانة ليست مجرد موقف عابر في لحظة ضعف، بل هي طعنة تبقى في ذاكرة التاريخ. فالذين خانوا العهد لم يخونوا رجلًا فقط، بل خانوا حلمًا كان أكبر من الأشخاص. ظنوا أنهم سيحصلون على المكاسب حين يقدمون خدماتهم لأصحاب القوة، لكن التاريخ يثبت دائمًا أن من يبيع رفيقه مرة، يصبح هو نفسه ورقة مؤقتة في أيدي من استخدموه.

وكانت مأساة بعض رفاق ظاهر العمر، ومن بينهم الدنكزلي، مثالًا على قسوة لعبة السياسة؛ فالخائن قد يُستعمل لفترة، لكنه غالبًا يصبح أول ضحية بعد انتهاء دوره، لأن من يطلب ولاءه من الخائن يعرف في أعماقه أنه لا يمكن أن يأمن جانبه.

وهكذا أُسدل الستار على قصة رجل أراد أن يشعل قنديلًا في ظلام عصره؛ رجل لم يكن بلا أخطاء، لكنه حمل حلمًا أكبر من زمانه. لقد خسر المعركة، وسقط مشروعه، لكن قصته بقيت شاهدة على أن الرجال لا يُقاسون فقط بالنهايات التي يصلون إليها، بل بالأثر الذي يتركونه والطريق الذي حاولوا شقه.

فالتاريخ قد يكتبه المنتصرون، لكنه لا يستطيع أن يمحو أسماء الذين وقفوا في وجه العواصف. وظاهر العمر الزيداني بقي واحدًا من أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا من الجليل أكثر من مجرد أرض؛ حاول أن يصنع منه مركزًا للقوة والحياة والحلم.

إنها ليست قصة حاكم فقط، بل قصة إنسان حاول أن يغير واقعه، فبقي قنديله مضيئًا رغم أن الرياح حاولت إطفاءه.