بقلم الناشطة الاجتماعية نانسي بلال السيوري
في كل خطاب سياسي، يحضر الشباب كعنوان جميل، وفي كل مشروع إصلاحي يُذكرون باعتبارهم القوة التي ستقود المستقبل. لكن بين الاعتراف بأهمية الشباب وبين منحهم دورًا حقيقيًا، ما تزال هناك مسافة تحتاج إلى شجاعة سياسية، لا إلى مزيد من الشعارات.
فالشباب لا يريدون أن يكونوا صورةً في مقدمة مؤتمر، ولا رقمًا في قائمة عضوية، ولا حضورًا يُستدعى عند الحاجة. يريدون أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار، وأن يشعروا بأن أفكارهم قادرة على تغيير الواقع، وأن أعمارهم لا تُستخدم كزينة للمشهد السياسي، بل كطاقة حقيقية لبناء مرحلة جديدة.
إن أزمة الأحزاب مع الشباب لا تكمن في غياب الدعوات، بل في غياب الإقناع. فالشاب الذي يُطلب منه أن يشارك سياسيًا يريد أن يعرف: ماذا سيغيّر؟ وما المساحة التي سيحصل عليها؟ وهل سيكون صوته مسموعًا عندما تختلف رؤيته؟ أم أن المطلوب منه فقط أن يكرر ما يُقال؟
السياسة التي لا تمنح الأجيال الجديدة فرصة القيادة تتحول، مع الوقت، إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها. والأحزاب التي تخشى التجديد تخسر أهم عناصر قوتها؛ لأن الحزب الذي لا يجدد أفكاره وقياداته يصبح، عاجلًا أم آجلًا، منفصلًا عن المجتمع الذي يفترض أن يمثله.
لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها. فالشباب أيضًا أمام لحظة اختبار حقيقية؛ لأن التغيير لا يصنعه المتفرجون. ومن يريد مستقبلًا مختلفًا، عليه أن يكون حاضرًا في ساحات الحوار والعمل والتنظيم، لا أن يكتفي بالنقد من بعيد.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى علاقة جديدة بين الشباب والأحزاب؛ علاقة لا تقوم على الاستقطاب المؤقت، ولا على استخدام الشباب في المواسم الانتخابية، بل على الشراكة الحقيقية.
أحزاب تؤمن بأن الشباب ليسوا خطرًا على مواقعها، بل فرصة لتجديدها. وشباب يؤمنون بأن السياسة ليست ملكًا لفئة معينة، بل مسؤولية كل من يحمل همّ الوطن ويريد أن يكون جزءًا من صناعة مستقبله.
فالسؤال لم يعد: لماذا يعزف الشباب عن الأحزاب؟
السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا لم تنجح الأحزاب حتى الآن في أن تجعل الشباب يرون أنفسهم داخلها؟
فالشباب لا يطلبون مقعدًا في الصفوف الأولى من أجل الصورة…
بل يطلبون مساحة حقيقية لصناعة المستقبل.
