★بقلم ثابت المومني
★ملخص
تكشف المواجهة العسكرية الدائرة في الخليج حتى الآن عن مشهد يختلف عما توقعه كثير من المحللين فرغم التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي لم يتحقق الحسم السريع بينما أظهرت إيران قدرة على الصمود والاستمرار في المواجهة كما برز تطور لافت في أداء بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية الأمر الذي يدفع إلى إعادة قراءة موازين القوة في المنطقة مع بقاء جميع السيناريوهات مفتوحة.
★في التفاصيل
اعتادت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية على حسم كثير من المواجهات العسكرية اعتمادًا على تفوقها الجوي والبحري والتقني إلا أن المواجهة الحالية تشير وفق المعطيات المتوافرة حتى الآن إلى أن هذا الحسم لم يتحقق وأن إيران ما زالت قادرة على مواصلة المواجهة وتحمل كلفتها الأمر الذي يفرض قراءة مختلفة لمسار الصراع ويشير إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالتفوق العسكري وحده بل أصبحت التكنولوجيا والمعلومات والاستخبارات عوامل لا تقل أهمية عن القوة النارية.
ومن أبرز ما كشفت عنه هذه المواجهة التطور الملحوظ في دقة بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وهو ما يفتح باب التساؤل حول حجم التقدم التقني الذي وصلت إليه إيران ويرى بعض المحللين أن هذا المستوى من الدقة قد يعكس استفادة من تقنيات متقدمة أو من مكونات أجنبية وربما تكون الصين من الدول التي تمتلك مصلحة استراتيجية في عدم انهيار القدرات الإيرانية لما يمثله الخليج من أهمية في ميزان القوى الدولي إلا أن ذلك يبقى في إطار التحليل السياسي وليس حقيقة مثبتة كما أن قدرة إيران على متابعة جانب من التحركات العسكرية الأمريكية في البر والبحر تثير تساؤلات مشابهة حول إمكان حصولها على معلومات أو دعم استخباري من أطراف تمتلك قدرات متقدمة في هذا المجال وربما تكون روسيا من بينها بحكم إمكاناتها المعروفة في مجالات الاستطلاع والفضاء والاستخبارات وهو أيضًا يبقى ضمن دائرة التحليل والاحتمال وليس استنادًا إلى معلومات رسمية معلنة.
ومن زاوية المصالح الاستراتيجية يصعب تجاهل أن روسيا والصين قد تنظران إلى بقاء إيران دولة قادرة على الصمود باعتباره جزءًا من توازن القوى العالمي لأن انهيار إيران بصورة كاملة قد يؤدي إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في الخليج بصورة أكبر وهو ما قد ينعكس على المصالح الاستراتيجية لكل من موسكو وبكين في هذه المنطقة الحيوية ولذلك فإن أي دعم محتمل إن وجد قد يكون منسجمًا مع حسابات التنافس الدولي أكثر من كونه مرتبطًا بإيران وحدها.
وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة وكأنها استخدمت جانبًا كبيرًا من أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية التقليدية دون أن تحقق حتى الآن حسمًا عسكريًا واضحًا وإذا استمرت هذه المعادلة فقد تزداد كلفة الخيارات المتبقية أمام جميع الأطراف ويذهب بعض المحللين إلى أن الخيارات العسكرية التقليدية قد تصبح أكثر محدودية مع مرور الوقت بينما يبقى الحديث عن استخدام السلاح النووي ضد إيران من أخطر السيناريوهات النظرية لما قد يترتب عليه من تداعيات إقليمية ودولية واسعة ويزداد هذا التعقيد في ظل المواجهة القائمة بين روسيا والغرب على خلفية الحرب في أوكرانيا حيث تمتلك موسكو ترسانة نووية تجعل أي تصعيد من هذا النوع شديد الحساسية ولذلك فإن الإقدام على مثل هذا الخيار لا يبدو قرارًا يسيرًا لأي إدارة أمريكية لما قد يحمله من مخاطر تتجاوز حدود الخليج إلى النظام الدولي بأكمله.
وبناءً على ما سبق فإن المواجهة الحالية لم تعد تبدو مجرد صراع بين الولايات المتحدة وإيران بقدر ما أصبحت جزءًا من منافسة دولية أوسع تتشابك فيها المصالح العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والاستراتيجية ويبقى مستقبلها مرهونًا بقدرة كل طرف على تحقيق أهدافه دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تغير شكل النظام الدولي بأكمله.
