بقلم: محمد النجار
القدس ليست مجرد مدينة، إنها حكاية إيمانٍ محفورة في ذاكرة التاريخ، وزهرة المدائن التي تنبض بالقداسة، ورمزٌ خالدٌ للتعايش والتسامح الديني. هي المدينة التي باركها الله حول مسجدها، وجعلها قبلةً للأرواح قبل أن تكون وجهةً للأجساد.
اليوم، حين تطأ قدما أي زائر عربي مسلم أو مسيحي عتبات القدس، يجد نفسه أمام حالة وجدانية نادرة لا تتكرر في أي مكان آخر في العالم. إنها لحظة تختلط فيها المشاعر وتتجسد فيها كل التناقضات الإنسانية. فترى عيناً تدمع فرحاً وخشوعاً، وهي تشاهد لأول مرة قبة الصخرة المشرفة تتلألأ بذهبها في سماء فلسطين، وترى أسوار البلدة القديمة شامخة كشموخ تاريخها. وفي الوقت ذاته، ترى العين الأخرى تبكي قهراً وألماً، وهي ترى ما يتعرض له هذا المكان الطاهر من تدنيس وانتهاك يومي من قبل جنود الاحتلال، الذين يحاولون طمس هويته وتغيير معالمه.
الحرم القدسي الشريف.. 144 دونماً من القداسة والتعايش
يمتد الحرم القدسي الشريف على مساحة 144 دونماً، وهي مساحة ليست مجرد رقم، بل هي مساحة مقدسة تضم بين جنباتها أقدس المقدسات الإسلامية والمسيحية، لتكون الشاهد الحي على أن هذه الأرض كانت وستبقى نموذجاً للتعايش السلمي.
عندما يقع نظرك على المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، تصيبك رعشة إيمانية لا يمكن وصفها. هذا المسجد الذي ارتبطت به معجزة الإسراء والمعراج. وإلى جانبه، تتربع قبة الصخرة المشرفة بقبتها الذهبية التي تسر الناظرين، والمسجد القبلي، والمسجد المرواني، والمصلى السليماني، وحائط البراق الذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة المسلمين وتراثهم.
ولا تكتمل الصورة الروحية للقدس إلا باحتضانها للمقدسات المسيحية، فهناك كنيسة القيامة، التي يؤمها الحجاج من كل بقاع الأرض، يضيئون فيها شموع الأمل والرجاء، متضرعين لله أن يحل السلام في أورشليم، مدينة السلام. وهناك كنيسة مريم المجدلية، وضريح السيدة مريم العذراء. إن تجاور الأذان مع أجراس الكنائس في سماء القدس هو النشيد اليومي للتسامح الذي لا يمكن لأي احتلال أن يسكته.
ومن أبلغ صور هذا التسامح، تلك الأمانة التاريخية التي يحملها التاريخ الإسلامي بكل فخر؛ فمنذ أن فتح الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس عام 638 ميلادية، وأعطى أهل إيلياء الأمان في عهدته العمرية الشهيرة، مؤمناً إياهم على كنائسهم وصلبانهم وممتلكاتهم، لا يُكرهون ولا يُضارون، ظلت هذه الروح سائدة. ولعل أروع تجلٍ لها اليوم أن مفاتيح كنيسة القيامة، أقدس كنائس المسيحية، لا تزال بيد عائلتين مسلمتين مقدسيتين هما عائلتا جودة ونسيبة منذ عهد صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس عام 1187م، في مشهد لا يوجد له مثيل في العالم كله.
أسواق القدس.. ذاكرة المكان وهوية السكان
إن شوارع القدس وأزقتها تحمل أسماءً تحكي تاريخها العريق، فتجد شارع صلاح الدين الأيوبي وطريق الواد وطريق الآلام. أما أسواقها فهي قلبها النابض وقصتها التي لا تنتهي. أسواق متلاصقة متعانقة، تستند بجدرانها على أسوار المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، حتى يشعر الزائر أنه يسير في سوق واحد طويل يفضي به إلى أبواب البلدة القديمة العريقة كباب العامود وباب الأسباط.
لكل سوق في القدس حكاية ولكل زاوية نكهة. فعندما تمر في سوق القطانين ببوابته المملوكية البديعة، لا بد أن تتوقف في مقهى أبو موسى لتتذوق الشاي بنكهة مقدسية خالصة. وعندما تعبر سوق العطارين، ستلفحك روائح البخور والعطور والبهارات الزكية التي تعبق في الأجواء. وفي سوق خان الزيت، ستشعر وكأنك سافرت إلى الهند بألوانه وأقمشته. أما سوق اللحامين فيوقظ فيك الجوع بروائح مأكولاته الشعبية، وقبل أن تصل إلى كنيسة القيامة لا بد أن تمر بسوق الدباغة لتلمح أرقى المصوغات الذهبية والمصنوعات اليدوية التراثية.
هذه الأسواق ليست بناءً حديثاً، بل هي إرث حضاري متجذر؛ وضع لبنتها الأولى الأمويون، وازدهرت في العهد العباسي، وطبعت العمارة المملوكية صبغتها الجمالية عليها، لتأتي اللمسات العثمانية الأخيرة وتضع فن العمارة الإسلامية في أبهى صوره.
واليوم، يدرك الكيان المحتل أن هذه الأسواق هي صمام الأمان لهوية المدينة، فيسعى بكل الوسائل لإزالتها وطمسها. فهم يضيقون الخناق على تجار بيت المقدس، ويفرضون عليهم الضرائب الباهظة والمخالفات الجائرة، ويمنعون أهلنا من داخل الخط الأخضر من الوصول إليها، في محاولة يائسة لدفع التجار لرفع الراية البيضاء وبيع محلاتهم. ولكن هيهات هيهات، فأسواق القدس صمدت قروناً وستبقى صامدة بإذن الله، شاهدة على عروبة المكان وأصالة السكان.
ستبقى القدس هي جوهر الصراع وعنوانه، وهي التي أعطت للقضية الفلسطينية صبغتها العربية القومية والإسلامية والمسيحية الجامعة. وسيأتي اليوم الذي تفتح فيه أبواب القدس المغلقة، وتزول حواجز الاحتلال وجنوده عن باب العامود وباب الأسباط، وستبقى القدس عاصمة أبدية للقلوب، لا تنازل عنها ولا مساومة عليها، مهما طال الزمان.
