بقلم: المحامية هنزاد التل،،
رئيس نادي يداً بيد المتفائل،
منذ انطلاقته قبل أربعة عقود، لم يكن مهرجان جرش للثقافة والفنون مجرد مناسبة فنية موسمية، بل أصبح علامة مضيئة في المشهد الثقافي العربي، ومنبرًا يجمع الإبداع بالموروث الحضاري، ويؤكد أن الأردن سيبقى أرضًا للثقافة، وبيتًا للفن، وملتقىً للمبدعين من مختلف أنحاء الوطن العربي.
وفي دورته الأربعين، عاد مهرجان جرش ليؤكد مكانته كواحد من أهم المهرجانات العربية، من خلال حضور جماهيري كبير وأمسيات فنية وثقافية استقطبت آلاف الزوار الذين توافدوا إلى المدينة الأثرية للاستمتاع بليالٍ امتزج فيها عبق التاريخ بجمال الموسيقى وروعة الكلمة. وقد نجح المهرجان في تقديم صورة مشرقة عن الأردن، بوصفه بلدًا يحتضن الثقافة ويؤمن بأن الفنون رسالة حضارية تسهم في تعزيز الحوار والتقارب بين الشعوب.
وشهدت مسارح جرش مشاركة نخبة من كبار نجوم الغناء العربي، الذين أعادوا إلى الجمهور متعة الطرب الأصيل، وأثبتوا أن الأغنية الراقية ما زالت قادرة على جمع الأجيال حول الكلمة الجميلة واللحن العذب. فقد صدحت الأصوات التي ارتبطت بذاكرة الجمهور العربي، فكان التفاعل كبيرًا، والحضور دليلاً واضحًا على أن الفن الحقيقي لا يفقد مكانته مهما تغيرت الأذواق وتعاقبت السنوات.
ومن المشاهد التي حملت دلالات إنسانية ووطنية، الحضور اللافت لأبناء فلسطين في الداخل (عرب 48)، الذين حرصوا على المشاركة في فعاليات المهرجان رغم كل الظروف والتحديات. فقد جاءوا إلى الأردن ليكونوا جزءًا من هذا الحدث الثقافي الكبير، مؤكدين أن الفن لا يعترف بالحواجز، وأن الثقافة قادرة على جمع أبناء الأمة العربية تحت مظلة واحدة، حيث تتلاقى المشاعر والذكريات والانتماء.
ولم يكن حضورهم مجرد مشاركة في حفلات غنائية، بل كان رسالة محبة ووفاء للفن العربي الأصيل، وإيمانًا بأن الثقافة تبقى مساحة للحوار والتقارب، وأن الموسيقى لغة إنسانية تتجاوز الحدود والخلافات، لتصل مباشرة إلى القلوب. فحين يجتمع الناس على أنغام الأغنية الراقية، تتراجع الفوارق، وتبقى القيم الإنسانية هي العنوان الأبرز.
ولعل ما يميز مهرجان جرش أنه لم يقتصر على الحفلات الغنائية، بل قدم برنامجًا ثقافيًا وفنيًا متكاملًا، شمل أمسيات شعرية، وعروضًا مسرحية، وفنونًا شعبية، ومعارض للحرف اليدوية والفنون التشكيلية، إلى جانب مشاركة واسعة لفنانين ومبدعين أردنيين وعرب، ليؤكد أن الثقافة منظومة متكاملة تجمع بين الفن والفكر والتراث.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل التواصل، وتتنافس فيه أشكال الفن الحديثة على جذب الجمهور، يثبت مهرجان جرش عامًا بعد عام أن الأصالة لا تزال تمتلك جمهورها الوفي، وأن الأغنية التي تقوم على الكلمة الراقية، واللحن المتقن، والصوت الحقيقي، تبقى قادرة على الصمود أمام كل المتغيرات. فالفن الأصيل لا يرتبط بمرحلة زمنية، بل يظل جزءًا من ذاكرة الشعوب وهويتها الثقافية.
لقد أثبت مهرجان جرش أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا، بل هو استثمار في الإنسان والوعي والهوية الوطنية. فالمهرجانات الثقافية والفنية تعزز صورة الدول، وتدعم السياحة، وتفتح آفاقًا للتبادل الثقافي، وتمنح الفنانين والمبدعين مساحة للتألق والإبداع، وهو ما نجح مهرجان جرش في تحقيقه على مدار أربعين عامًا.
وفي الختام، يبقى مهرجان جرش أكثر من مجرد احتفال فني؛ إنه رسالة حضارية تؤكد أن الثقافة أقوى من كل التحديات، وأن الفن الراقي سيظل يجمع القلوب مهما اختلفت الظروف. وسيبقى جرش، بتاريخها العريق ومدرجاتها التي صدحت بأصوات كبار الفنانين، شاهدًا على أن الطرب الأصيل لا يموت، وأن الإبداع الحقيقي يبقى خالدًا في ذاكرة الشعوب، جيلاً بعد جيل. ومن هنا، فإن نجاح مهرجان جرش ليس نجاحًا للأردن وحده، بل هو نجاح للثقافة العربية بأسرها، ورسالة أمل تؤكد أن الفن سيبقى دائمًا لغةً للسلام، وجسرًا للمحبة، وصوتًا يجمع ولا يفرق.
