لم تعد بعض المسلسلات العربية تروي حكايات الناس، بل أصبحت تنسخ عالمًا غريبًا عن واقعنا، مستلهمة النموذج التركي في قوالبه الأكثر استهلاكية. فلا تكاد ترى فيها سوى القصور الفارهة، والسيارات الفخمة، والكمباوندات المغلقة، والوجوه التي تبدو وكأنها خُلقت من زجاج لا يعرف تعبًا ولا يترك الزمن عليه أثرًا. عالم مصقول بإتقان، لكنه خالٍ من نبض الحياة.
المشكلة ليست في عرض الثراء، فالثراء جزء من الواقع، وإنما في اختزال المجتمع كله في طبقة برجوازية معزولة، حتى يخرج المشاهد وهو يشعر أنه غريب عن نفسه قبل أن يكون غريبًا عن الشاشة. فلا يجد العامل، ولا المعلم، ولا المزارع، ولا الموظف الذي يكافح ليصنع حياة كريمة، بل يجد شخصيات تدور في حلقات مفرغة من قصص الحب والانتقام والخيانة، دون رسالة أو قيمة أو حكمة تستحق البقاء.
الدراما الحقيقية كانت يومًا مدرسة للأخلاق، ومرآة للمجتمع، تطرح الأسئلة الكبرى وتوقظ الضمير. أما اليوم، فقد تحولت بعض الأعمال إلى معرض للأزياء والديكورات الفاخرة، حتى أصبح البطل يُقاس بثمن بدلته، لا بعمق فكرته، وأصبحت البطولة مظهرًا لا موقفًا.
والأخطر أن هذا النموذج يزرع في نفوس كثير من المشاهدين شعورًا خفيًا بالنقص. يقارن الإنسان حياته البسيطة بذلك العالم المصطنع، فيرى إنجازاته ضئيلة، وبيته متواضعًا، وأحلامه باهتة، وكأنه يعيش حياة البؤساء بينما السعادة حكر على أولئك الذين يسكنون خلف الأسوار العالية. إنها مقارنة ظالمة، لكنها تتكرر كل ليلة حتى تتحول إلى قناعة.
هذه الفكرة أشار إليها المفكر الدكتور مصطفى محمود في كتابه «الغد المشتعل»، حين حذّر من ثقافة تجعل الإنسان يطارد المظاهر وينسى جوهر وجوده، فينشغل بالقشور على حساب المعنى، ويصبح أسيرًا لعالم استهلاكي يصنع التعاسة أكثر مما يصنع السعادة.
ليست الدراما مسؤولة عن الترفيه فقط، بل عن تشكيل الوعي أيضًا. وعندما تنحصر رسالتها في تلميع الوجوه والقصور، فإنها تساهم في صناعة إنسان يرى قيمته فيما يملك لا فيما يكون، ويقيس نجاحه بما يعرضه أمام الناس لا بما يقدمه لهم.
إن الأمم لا تبني مستقبلها بصناعة الوهم، بل بصناعة الإنسان. والدراما التي تنسى الإنسان لتُقدّس المظاهر، لا تعكس الواقع، بل تهرب منه
