“وبيروت في الربيع أجمل منها في ما بقي من الفصول، لأنها تخلو فيه من أوحال الشتاء وغبار الصيف، وتصبح بين أمطار الأول وحرارة الثاني كصبية حسناء قد اغتسلت بمياه الغدير، ثم جلست على ضفته تجفف جسدها بأشعة الشمس.”

(جبران خليل جبران)

وأنا الآتي من سهول حوران، حيث لا جبل ولا بحر، سوى بعض الأودية الموسمية.

ولأن السنة الدراسية في الجامعات تبدأ عادة في الخريف، فقد التقيت بيروت في ذلك الفصل أواخر سبعينيات القرن الماضي.

وصلتها برًا عبر سوريا، وما إن انحدرت سيارة الأجرة التي أقلّتني إليها، متعرجة مع الطريق الأفعواني من صوفر إلى بحمدون وعاليه والحازمية، ومن نقطة لا أذكرها حصرًا اليوم، أطلت بيروت وبحرها للمرة الأولى. صورة طبعت في ذاكرتي، وما زالت لم تمحها عشرات، بل مئات، رحلاتي إليها عبر الأجواء والمطارات تاليًا.

لم يخطر في بال جبران، وهو يرسم بيروت بالكلمات صبية حسناء في الربيع، أن تعيش نصف قرن بلا ربيع، وما زالت حسناء رغم أمراض العاشقين، وطموحات الخصوم، وجحود الأبناء.

قد ينتمي الإنسان إلى مكانين: مسقط الرأس، وحاضنة الوعي الأولى.

حينما تدرس في بيروت إبان حرب أهلية، فأنت جزء من مجتمع الحرب، شئت أم أبيت. لكنك لا تعرف متى يتوقف الرصاص والقتل والدمار… ثم من يقنعك بأنها السبيل الوحيد للنصر.

لم ينتصر أحد، وخسرت بيروت.

هنا عرفت الخوف، وندرة الخبز وقت حصار بيروت، مثلما عرفت قيم الصبر والأمل والصداقة والعشق معًا.

عاصمة الفرح الشرقي تصحو في كل صباح منذ عقود على جنازات وظلم وانهيارات. تدفن أحزانها ظهرًا لتفرح، ولو في هزيع أخير من ليلة حالكة.

هنا رُزق العالم بفيروز وجبران والرحباني ونعيمة ووديع وصباح ونصري وفيلمون ومعلوف، والقائمة تطول.

وهنا زرع الشيطان ملوكًا للموت والطوائف.

هي بيروت، عاصمة برسم الإعدام، لكنها تنجو، ويرحل جلادوها. مريضة، لكنها تعلم أعداءها معاني الصبر واليقين.

خمسون عامًا تسير مثقلة بالألغام المزروعة في جسدها، ورائحة الدم والبارود ما زالت تفوح على مدى خمسة عقود، واللاعبون، وكذلك المتلاعبون، من داخلها ومن خارجها، يتناسلون ويتوارثون حقدًا وغضبًا بدافع الحب المعلن أو الحقد المعلن لصبية أثبتت أنها أقوى منهم جميعًا.

حرب أهلية، وملاجئ، وخطوط تماس. قتل على الهوية. طوائف وإثنيات وأعراق… تحالفات واحتلال تلو احتلال.

تنجو بيروت على الدوام، تلملم الجراح، وتجبر بنفسها قلبها المكسور.

تدفع ثمن مغامرات وأوهام إقليمية، وغدر ذوي القربى، وعقوق الأبناء.

تسند رأسها إلى جبل، لكن قدميها تغوصان في بحر لا ينتهي، ينجدها ذات جفاف، ويجلب عليها ويلات البوارج والحصار.

ما زال الربيع بعيدًا، إلا أن بيروت تواصل صبرها النبيل؛ فالبحر قدر، والجغرافيا خير وشر.

أي عشيقة هذه التي لا تكلف عاشقيها سوى حزن وتعاطف، ولا تعرف إلا التسامح؟

ستنهض صبية الغدير يومًا، أراه قريبًا، بلا عار، وبلا تجاعيد. ستتسامح مرة أخرى مع من خذلوها، بل ومع من غرزوا الخناجر في جنباتها. لكنها لن تتسامح مع من استجلبوا الأعداء ليعيثوا قتلًا ودمارًا وفسادًا في الغدير وضفته الجميلة.

أما أنا، فما زالت الصورة الأولى هي الأجمل، وما زلت أؤمن بأن صبية الغدير هي العشق. لم أفكر يومًا إن كانت سنية أم شيعية، مارونية أم كاثوليكية، درزية أم أرمنية. هي بيروت فحسب.