بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسه والصناعه وإدارة المشاريع
يثير توسع إيران في هجماتها داخل المنطقة سؤالاً أساسياً: هل تعكس هذه الهجمات قوة إيرانية متجددة، أم أنها تعبير عن خوف متزايد لدى النظام الإيراني ودخوله مرحلة الدفاع عن البقاء؟
لا تبدو الإجابة محصورة في أحد الاحتمالين. فإيران ما تزال تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، تشمل الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والقوات البحرية، وشبكة من الجماعات المسلحة المتحالفة معها في عدد من دول المنطقة. إلا أن نمط تحركاتها الأخيرة يوحي بأن النظام السياسي والعسكري الإيراني دخل ما يمكن وصفه بـ مرحلة البقاء الاستراتيجي.
وهنا يجب التمييز بين إيران بوصفها دولة وشعباً وحضارة، وبين النظام الحاكم فيها. فإيران الدولة ليست مهددة بالزوال، لكن النظام يسعى إلى حماية بقائه، والمحافظة على مؤسساته القيادية والعسكرية، ومنع انهيار منظومة الردع الإقليمية التي بناها خلال عقود.
من المواجهة غير المباشرة إلى توسيع ساحة الحرب
اتبعت إيران لسنوات طويلة استراتيجية تقوم على المواجهة غير المباشرة. فقد عملت على توسيع نفوذها من خلال حلفاء وجماعات مسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، مع الحرص غالباً على تجنب حرب تقليدية مباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وقد سمحت هذه السياسة لطهران بفرض أثمان على خصومها، مع إبقاء جانب كبير من المواجهة خارج الأراضي الإيرانية، والمحافظة على هامش من الإنكار السياسي والعسكري.
لكن المواجهة الحالية تبدو مختلفة.
فإيران توسع نطاق عملياتها ليشمل منشآت عسكرية، وممرات بحرية، وقواعد أمريكية، وبنى تحتية استراتيجية في دول المنطقة. كما تحاول استخدام موقعها الجغرافي، وخصوصاً قرب مضيق هرمز، بوصفه أداة ضغط عسكرية واقتصادية.
هذا التوسع ليس عشوائياً، بل يعكس محاولة إيرانية لمنع خصومها من حصر الحرب داخل الأراضي الإيرانية. فإذا بقيت ساحة المواجهة داخل إيران وحدها، ستواجه طهران تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً وجوياً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
لذلك، تسعى إيران إلى نقل جزء من كلفة الحرب إلى المنطقة كلها، وإلى جعل المنشآت العسكرية، وخطوط الملاحة، ومصادر الطاقة، والدول المجاورة جزءاً من معادلة التصعيد.
ورسالتها الضمنية هي أن ضرب إيران لن يبقى داخل إيران.
البقاء لا يعني الانهيار الوشيك
إن القول إن النظام الإيراني دخل مرحلة البقاء لا يعني أنه على وشك السقوط.
فالأنظمة السياسية قد تعيش سنوات طويلة وهي تتصرف بعقلية الحصار والبقاء. بل إن النظام الذي يشعر بأن وجوده مهدد قد يصبح أكثر تشدداً، وأكثر مركزية، وأكثر استعداداً لتحمل المخاطر من نظام يشعر بالأمان.
وما تزال إيران تملك أدوات قوة مهمة. فصواريخها وطائراتها المسيّرة قادرة على تهديد منشآت عسكرية ومدنية في مناطق واسعة. كما أن موقعها البحري يمنحها قدرة على التأثير في الملاحة الدولية، بينما تبقى الجماعات المتحالفة معها قادرة على التحرك في أكثر من ساحة.
لذلك، فإن ضعف النظام الإيراني أو تراجع قدراته لا يعني أنه أصبح عاجزاً أو غير خطر. بل قد تصبح الدولة التي تشعر بتراجع قدرتها على الردع أكثر ميلاً إلى استخدام ما تبقى لديها من أدوات قبل أن تفقد فعاليتها.
منطق التصعيد الإيراني
لا يُرجح أن تكون إيران مقتنعة بإمكان هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً في حرب تقليدية. هدفها الواقعي أقرب إلى إثبات أن محاولة هزيمة إيران أو إخضاعها ستفرض كلفة باهظة على المنطقة والاقتصاد العالمي.
وتقوم هذه الاستراتيجية على عدة عناصر.
أولاً، تسعى إيران إلى تشتيت ساحة الصراع. فكلما توسعت الجبهة، ازدادت صعوبة تركيز القوة العسكرية ضدها وحدها.
ثانياً، تحاول استنزاف القدرات الدفاعية لخصومها. فالهجمات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة تفرض استخدام منظومات اعتراض باهظة الكلفة، وتضغط على مخزونات الصواريخ الدفاعية.
ثالثاً، تستخدم إيران أمن الطاقة والممرات البحرية بوصفهما ورقة ضغط. فأي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر يرفع أسعار النفط، وتكاليف التأمين والنقل، ويجعل آثار الحرب دولية لا إقليمية فقط.
رابعاً، تحاول طهران إضعاف التحالفات بين الولايات المتحدة ودول المنطقة، من خلال إقناع هذه الدول بأن استضافة القوات الأمريكية تجعلها عرضة للهجوم.
وأخيراً، تريد إيران الحفاظ على أوراق تفاوضية قوية، بحيث تدخل أي مفاوضات مقبلة من موقع دولة ما تزال قادرة على الإضرار بالمصالح العسكرية والاقتصادية لخصومها.
هذه ليست استراتيجية لتحقيق نصر عسكري حاسم، بل استراتيجية لجعل النصر على إيران مكلفاً إلى درجة يصعب تحملها.
سوء التقدير الإيراني تجاه دول المنطقة
قد تعتقد إيران أن استهداف المنشآت الأمريكية الموجودة في الدول العربية سيدفع هذه الدول إلى مطالبة واشنطن بسحب قواتها أو تقليص وجودها العسكري.
لكن هذا الاحتمال غير مرجح في الظروف الحالية.
فالدول التي تتعرض للصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات المباشرة لبنيتها التحتية لن تخفف شراكاتها الدفاعية في اللحظة التي تشعر فيها بأن الخطر يتصاعد.
إن مطالبة القوات الأمريكية بالمغادرة في ظل التهديد الإيراني لن تُفهم باعتبارها قراراً سيادياً مستقلاً، بل قد تبدو تراجعاً مفروضاً تحت الضغط. وهذا من شأنه أن يعكس صورة من الضعف، وأن يوحي بأن التهديد العسكري قادر على فرض تغييرات استراتيجية على دول المنطقة.
وأي تراجع في هذا التوقيت قد يشجع إيران، أو أي قوة إقليمية أخرى، على الاعتقاد بأن الضغط العسكري وسيلة ناجحة لتغيير سياسات الدول المجاورة.
لذلك، فإن الهجمات الإيرانية قد تحقق نتيجة معاكسة تماماً لما تريده طهران.
فبدلاً من تقليص الوجود الأمريكي، قد تدفع دول المنطقة إلى طلب المزيد من أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وتوسيع قدرات الإنذار المبكر، وزيادة حماية منشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية.
وقد تؤدي أيضاً إلى تعميق التنسيق العسكري بين الدول العربية والولايات المتحدة، بدلاً من إضعافه.
الوجود الأمريكي بين الضرورة والاعتماد
لا يعني ذلك أن الدول العربية توافق على كل السياسات الأمريكية، ولا أنها ترغب في الاعتماد الدائم على القوة العسكرية الأجنبية.
لكن الترتيبات الأمنية لا يمكن تفكيكها في أثناء اتساع المواجهة، قبل بناء بديل إقليمي موثوق وقادر.
من حق الدول العربية أن تعيد تقييم الوجود الأجنبي على أراضيها، وأن تبني علاقاتها الأمنية وفق مصالحها الوطنية. لكن توقيت مثل هذه القرارات مهم جداً.
فالانسحاب أو التقليص تحت الضغط العسكري لا يمثل استقلالاً استراتيجياً، بل قد يُفسر على أنه استجابة للإكراه.
القرار السيادي الحقيقي يجب أن يصدر من موقع قوة، لا في لحظة تهديد.
أما الاستقلال الاستراتيجي، فلا يتحقق بمجرد خروج القوات الأجنبية. إنه يحتاج إلى قوات وطنية قادرة، ودفاع جوي عربي متكامل، وتعاون استخباراتي فعال، وقدرة على حماية الممرات البحرية، ومؤسسات سياسية وأمنية قادرة على اتخاذ القرار المستقل.
إلى أن تتوافر هذه العناصر، سيبقى الوجود الأمريكي بالنسبة إلى عدد من دول المنطقة حاجة أمنية، خصوصاً في أوقات التصعيد المباشر.
إيران قد تعزز ما تريد إضعافه
تريد إيران أن تقنع الدول العربية بأن استضافة القوات الأمريكية مصدر خطر عليها. لكن هجماتها قد تقنع هذه الدول بأن غياب الدعم العسكري الأمريكي سيجعلها أكثر عرضة للخطر.
وبذلك، قد يؤدي التصعيد الإيراني إلى:
زيادة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتسريع نشر منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتعميق التعاون الاستخباراتي، وتعزيز التنسيق بين الجيوش العربية، ورفع مستوى حماية المنشآت الحيوية، وتقليص الاستعداد السياسي لتقديم أي تنازلات لطهران.
وكلما اتسع التهديد الإيراني، أصبح من الأصعب على دول المنطقة أن تخفف اعتمادها على الولايات المتحدة.
وهنا يظهر التناقض الاستراتيجي الأهم: إيران توسع الحرب بهدف تقليص النفوذ الأمريكي، لكنها قد تمنح هذا النفوذ مبررات جديدة للبقاء والتوسع.
الموقف الأردني
يجب أن يتعامل الأردن مع هذه المواجهة من منطلق السيادة والمصلحة الوطنية.
قد يختلف الأردن مع السياسات الأمريكية، وخصوصاً ما يتعلق بإسرائيل والقضية الفلسطينية. وقد يرفض أي حرب توسع الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة. لكن هذه المواقف لا تعني قبول اختراق الأجواء الأردنية، أو تهديد أراضي المملكة، أو تعريض مواطنيها ومنشآتها للخطر.
عندما تدخل الصواريخ أو الطائرات المسيّرة إلى المجال الجوي الأردني، أو تستهدف منشآت داخل الأردن، لا يعود الأمر مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة. بل يصبح قضية أمن قومي أردني مباشر.
وللأردن الحق الكامل، بل الواجب، في حماية أجوائه وأراضيه وشعبه وقواته المسلحة.
إن دفاع الأردن عن أراضيه لا يعني تأييد كل سياسات واشنطن أو تل أبيب. كما أن رفض الهجمات الإيرانية لا يعني اعتبار إيران عدواً دائماً.
يجب أن يقوم الموقف الأردني على مبادئ واضحة:
أولاً، لن يسمح الأردن لأي دولة، سواء كانت إيران أو إسرائيل أو غيرهما، بانتهاك أراضيه أو أجوائه.
ثانياً، سيحافظ الأردن على الشراكات الدفاعية الضرورية لحماية مواطنيه وقواته وبنيته التحتية.
ثالثاً، يجب أن يعمل الأردن على المدى الطويل، مع الدول العربية، لبناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استقلالاً وقدرة، بدلاً من الاعتماد المفتوح على أي قوة خارجية.
هذا موقف متوازن وسيادي. فهو يرفض الإكراه الإيراني، من دون أن يمنح موافقة مطلقة على السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية.
إيران ليست عدواً دائماً
من الضروري عدم تحويل المواجهة الحالية إلى صراع حضاري أو مذهبي دائم.
إيران دولة كبيرة، ذات تاريخ عريق ودور مؤثر في المنطقة. وليس من مصلحة الأردن أو الدول العربية أن تُعرَّف إيران على أنها عدو أبدي لا يمكن التفاهم معه.
لكن هناك قضايا حقيقية يجب حلها، تشمل التدخل في الدول العربية، ودعم الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة، وتهديد أمن الملاحة، والملف الصاروخي والنووي، وانتهاك سيادة الدول المجاورة.
يجب التعامل مع هذه القضايا بحزم، ولكن يجب أن يبقى الهدف النهائي هو بناء نظام إقليمي يقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل، وتسوية الخلافات من خلال الحوار.
ولا ينبغي للدول العربية أن تخضع للضغط الإيراني، كما لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أدوات في صراع دولي أوسع.
الموقف العربي المطلوب هو موقف مستقل: رفض أي اعتداء إيراني على الدول العربية، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية وسياساتها التوسعية، والتمسك بأن أمن المنطقة لا يُبنى من خلال هيمنة أي دولة عليها.
المعضلة الداخلية للنظام الإيراني
لا يخوض النظام الإيراني معركة خارجية فقط، بل يواجه تحدياً داخلياً أيضاً.
فالنظام الذي بنى جانباً كبيراً من شرعيته على المقاومة والردع والنفوذ الإقليمي لا يستطيع بسهولة الاعتراف بتراجع قدراته. وعدم الرد على الضربات التي يتعرض لها قد يُفهم داخلياً على أنه ضعف، ويؤثر في مكانة الحرس الثوري والقيادة السياسية.
لذلك، تخدم الهجمات الإيرانية جمهورين.
فهي خارجياً رسالة تؤكد أن إيران ما تزال قادرة على الرد، وداخلياً وسيلة لطمأنة مؤيدي النظام بأنه لم يفقد السيطرة ولم يتخل عن خطابه السياسي.
لكن استمرار المواجهة يحمل مخاطر داخلية كبيرة. فالعقوبات، والعزلة الاقتصادية، وضغوط الحرب، وضعف الاستثمار والتجارة، كلها عوامل تضعف الاقتصاد وتضغط على المجتمع.
وبذلك، يواجه النظام معادلة صعبة: عليه أن يبدو قوياً بما يكفي للحفاظ على الردع، لكنه يجب أن يتجنب حرباً شاملة قد تهدد الاقتصاد والمؤسسات التي يعتمد عليها بقاؤه.
التصعيد تعبير عن القوة والضعف معاً
غالباً ما يُفسر التصعيد العسكري باعتباره دليلاً على الثقة والقوة. لكن في حالة إيران، قد يكون أيضاً دليلاً على القلق والضعف الاستراتيجي.
فالدولة الواثقة من موقعها تحاول عادة ضبط التصعيد ومنع خروجه عن السيطرة. أما النظام الذي يشعر بأن بنيته العسكرية ونفوذه الإقليمي وشرعيته الداخلية تتعرض للتهديد، فقد يوسع المواجهة لأنه لا يرى في ضبط النفس مخرجاً آمناً.
هجمات إيران تُظهر أنها ما تزال قادرة على إلحاق الضرر، لكنها تكشف أيضاً أن نموذج الردع الإيراني التقليدي لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها.
فقد كان هذا النموذج قائماً على القتال من خلال الحلفاء، والحفاظ على العمق الاستراتيجي، وإبقاء الحرب بعيداً عن الأراضي الإيرانية. أما اليوم، فإن إيران تضطر إلى توسيع ساحة الحرب لتعويض تراجع هذه العناصر.
خطر تحول استراتيجية البقاء إلى استراتيجية هزيمة
قد تتحول استراتيجية إيران للحفاظ على بقائها إلى استراتيجية تضر بها على المدى الطويل.
فكل هجوم على دولة عربية يولد مزيداً من المعارضة لإيران. وكل تهديد لمصادر الطاقة أو الممرات البحرية يجلب تدخلاً دولياً إضافياً. وكل صاروخ يعبر أجواء دولة مجاورة يسرع بناء تعاون دفاعي أوسع ضد طهران.
قد تحقق إيران نجاحات تكتيكية، مثل تعطيل الملاحة، أو إصابة منشآت، أو إجبار خصومها على إنفاق أموال كبيرة على الدفاع. لكن هذه النجاحات قد تقود إلى عزلة استراتيجية أعمق.
وقد تجد إيران نفسها، من خلال أفعالها، تسهم في تشكيل التحالف الإقليمي الذي طالما سعت إلى منعه.
ما المطلوب؟
المنطقة بحاجة إلى مسار دبلوماسي، لكن العودة إلى الأوضاع السابقة لن تكون كافية.
أي تسوية جادة يجب أن تتعامل مع مجموعة مترابطة من القضايا: أمن إيران، وبرنامجها النووي، وصواريخها الباليستية، ودور الجماعات المسلحة خارج سلطة الدول، وأمن الممرات البحرية، وسيادة الدول العربية، والاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
ولا يمكن تطبيق المبادئ بشكل انتقائي.
فلا يجوز مطالبة إيران باحترام سيادة الدول مع تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية. وفي المقابل، لا يمكن لإيران استخدام القضية الفلسطينية ذريعة لمهاجمة دول عربية أو التدخل في شؤونها.
الأمن الإقليمي الحقيقي يجب أن يستند إلى مبادئ موحدة تطبق على الجميع، لا إلى موازين قوة مؤقتة أو تحالفات ظرفية.
الخاتمة
يبدو أن النظام الإيراني يعمل اليوم وفق منطق البقاء، لكن ذلك لا يعني أنه انهار أو أصبح عاجزاً.
إنه يقاتل للحفاظ على نظامه السياسي، وحماية ما تبقى من منظومة الردع، وإثبات أن أي حرب عليه لن تبقى محدودة أو قليلة الكلفة.
لكن توسيع الحرب يحمل مخاطر كبيرة.
فبدلاً من إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، قد يؤدي التصعيد الإيراني إلى توسيع وجودها، وتعزيز التحالفات العسكرية، وتسريع بناء منظومات دفاعية مشتركة.
كما أن دول المنطقة لن تقف في وجه الوجود الأمريكي في اللحظة التي تتعرض فيها للخطر، لأن مثل هذا الموقف قد يبدو ضعفاً وتراجعاً تحت الضغط، لا استقلالاً وسيادة.
ومن هنا، فإن إيران تواجه تناقضاً واضحاً: فهي توسع الحرب لتقليص النفوذ الأمريكي، لكنها قد تمنحه سبباً أقوى للاستمرار.
إن الاستقلال الاستراتيجي للمنطقة يبقى هدفاً مشروعاً وضرورياً، لكنه لا يتحقق بالانسحاب أمام التهديد، بل ببناء القوة الوطنية، والتعاون العربي، والدفاع الجماعي، والقدرة على اتخاذ القرار من موقع قوة.
إيران اليوم لا تخوض حرباً لتحقيق نصر حاسم، بل تحاول إثبات أن هزيمتها ستكون مكلفة للجميع.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران قادرة على توسيع الحرب، فقد أثبتت أنها تستطيع ذلك.
السؤال هو: هل تستطيع السيطرة على الحرب بعد توسيعها، أم أن الاستراتيجية التي اختارتها لضمان بقاء نظامها ستصبح هي نفسها أكبر تهديد لهذا البقاء
