بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد


ثمة حقيقة غير مريحة في الحياة العامة الأردنية، وهي أن الأردنيين العاديين يفهمون السياسة، في كثير من الأحيان، أكثر من كثيرين ممن يحملون صفات وألقاباً سياسية.
فالمواطنون يناقشون الاقتصاد، والدين العام، والبطالة، والضرائب، والتعليم، والصراعات الإقليمية، والأمن الوطني، والعدالة الاجتماعية، والإدارة العامة بجدية نابعة من التجربة المباشرة. وهم يعيشون نتائج القرارات السياسية كل يوم.
في المقابل، يختزل كثير من السياسيين العمل السياسي في الخطب والشعارات والظهور التلفزيوني والوعود الانتخابية والاجتماعات البروتوكولية والتنافس الداخلي على المواقع.
المواطن الأردني العادي يمارس السياسة باعتبارها مسألة حياة ومعيشة وبقاء، بينما يمارسها بعض السياسيين باعتبارها مهنة تقوم على الاستعراض.
المواطن يعيش النتائج… والسياسي يكتفي بالحديث عنها
السياسة بالنسبة إلى المواطن ليست نقاشاً نظرياً.
إنها الخريج العاطل عن العمل الذي ينتظر فرصة لا تأتي. وهي صاحب المشروع الصغير الذي تثقله الضرائب والرسوم وضعف القوة الشرائية والتعقيدات الإدارية. وهي المقاول الذي ينتظر مستحقاته لأشهر. وهي المزارع الذي يعاني شح المياه وارتفاع كلف الإنتاج وتقلب الأسواق. وهي الأسرة التي تحاول تأمين تكاليف التعليم والصحة والنقل والكهرباء والسكن.
هؤلاء يفهمون السياسات العامة لأنهم يدفعون ثمنها.
في المقابل، يتحدث بعض السياسيين عن البطالة دون فهم حقيقي لسوق العمل، ويناقشون الاستثمار دون معرفة ما ينفر المستثمرين، ويعدون بالتنمية دون تقديم موازنة أو جدول زمني أو آلية تنفيذ أو أهداف قابلة للقياس.
إنهم يصفون مشكلات يعرفها المواطنون جيداً، ويكررون شعارات فقدت معناها، ثم يقدمون أنفسهم بوصفهم قادة.
هذا ليس قيادة سياسية، بل مسرح سياسي.
اللقب السياسي لا يصنع سياسياً
لا تعاني الأردن نقصاً في أصحاب الألقاب السياسية. لدينا رؤساء أحزاب، ونواب، ووزراء سابقون، وناشطون، ومرشحون، وناطقون إعلاميون، ومستشارون، ومحللون.
لكن اللقب لا يصنع سياسياً.
السياسي الحقيقي يجب أن يمتلك برنامجاً لا مجرد رأي. وعليه أن يبني تأييداً لا أن يلفت الانتباه فقط، وأن يدير الخلاف لا أن يؤججه، وأن يقدم حلولاً لا أن يكرر الشكوى، وأن يقبل المساءلة لا أن يختبئ خلف المؤسسات أو الظروف أو العوائق المجهولة.
يدخل كثيرون الحياة السياسية وهم يعتقدون أن الظهور هو القيادة، وأن كثرة المقابلات الإعلامية دليل على الأهمية الوطنية.
إنهم يخلطون بين الكلام والعمل، وبين النقد والكفاءة، وبين الطموح وخدمة الصالح العام.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يعرفون كيف يصفون الأزمة. الأردنيون يصفون الأزمة منذ سنوات. ما يحتاج إليه الأردن هو من يعرف ماذا يفعل لمواجهتها.
أحزاب بلا برامج
يفترض في الأحزاب السياسية أن تحول هموم المواطنين إلى برامج وطنية عملية. غير أن كثيراً من الأحزاب ما يزال منشغلاً بالتعيينات الداخلية، والخلافات الشخصية، والحسابات الانتخابية، والصراع على القيادة، وتوزيع الألقاب.
برامجها الاقتصادية غالباً فضفاضة، وسياساتها الاجتماعية عامة، ومقترحاتها للإصلاح الإداري متكررة، ومواقفها من التعليم والدين العام والاستثمار والتنمية المحلية وتوفير فرص العمل تختزل في عبارات يمكن أن تصدر عن أي حزب آخر.
تتغير الأسماء، لكن اللغة تبقى واحدة.
ثم يلام المواطنون لأنهم لا ينضمون إلى الأحزاب.
لماذا ينضمون إلى تنظيمات لا تمنحهم تأثيراً حقيقياً؟ ولماذا يشارك المهنيون والمهندسون والمعلمون والعمال وأصحاب الأعمال والشباب والقيادات المجتمعية في أحزاب تريد أعدادهم ولا تريد أفكارهم؟
الحزب الذي لا يحتمل الديمقراطية داخله لا يحق له أن يطالب بالديمقراطية على المستوى الوطني.
والحزب الذي يقمع الاختلاف، ويحصر القرار، ويكافئ الولاء على حساب الكفاءة، ويتعامل مع أعضائه كجمهور لا كشركاء، لا يبني حياة سياسية، بل يعيد إنتاج الثقافة التي يزعم أنه يعارضها.
المواسم الانتخابية وصناعة الوعود
يتغير الخطاب السياسي فجأة خلال الانتخابات.
يتحدث المرشحون عن الكرامة والعدالة والتنمية والشباب والمرأة والتشغيل والإصلاح والشفافية والخدمة العامة. يزورون المناطق، وينصتون باهتمام، ويطلقون الوعود، ويقدمون أنفسهم ممثلين لمعاناة الناس.
بعد الانتخابات، يختفي كثير منهم داخل اللجان والمكاتب والبيانات الرسمية والحسابات السياسية.
تبقى الوعود بلا مواعيد، والبرامج بلا موازنات، والالتزامات بلا مؤشرات قابلة للقياس.
ثم تعود اللغة نفسها في الانتخابات التالية.
أضعفت هذه الدورة ثقة المواطنين، لا لأن الأردنيين يرفضون السياسة، بل لأنهم أصبحوا خبراء في تمييز التسويق السياسي.
يدرك المواطنون بصورة متزايدة الفرق بين النائب والمرشح، وبين البرنامج والشعار، وبين الخدمة العامة والتقدم الشخصي.
على الطبقة السياسية ألا تستخف بذكاء الناس.
السياسة انفصلت عن الكفاءة
من أخطر مظاهر الضعف في حياتنا السياسية الاعتقاد بأن العمل السياسي لا يحتاج إلى كفاءة مهنية.
في كل مجال جاد، يتوقع من الإنسان أن يفهم ما يديره. يجب على المهندس أن يفهم الهندسة، والطبيب أن يفهم الطب، والاقتصادي أن يفهم الاقتصاد، ومدير المشروع أن يفهم النطاق والوقت والكلفة والمخاطر والتنفيذ.
أما في السياسة، فيعتقد بعضهم أن الثقة بالنفس أو الشعبية أو العلاقات أو القدرة الخطابية تكفي.
وهذا غير صحيح.
العمل السياسي يحتاج إلى معرفة بالتشريع، والمالية العامة، والإدارة، والاقتصاد، والأولويات الوطنية، والعلاقات الدولية، والتفاوض، والاتصال، وآليات اتخاذ القرار المؤسسي.
السياسي الذي لا يدرس الملفات لا يمثل الناس، بل يرتجل بمستقبلهم.
وقد دفع الأردن ثمناً باهظاً للارتجال.
المواطن أكثر نضجاً سياسياً مما يعترف به بعض القادة
كثيراً ما يوصف الأردنيون بأنهم غير فاعلين سياسياً، أو مترددون، أو غير مهتمين. وهذا توصيف مضلل.
الأردنيون يناقشون السياسة باستمرار. يحللون القرارات، ويقارنون التصريحات الرسمية، ويشككون في الروايات، ويسألون عن أوجه الإنفاق العام، ويتابعون التطورات الإقليمية، ويقيمون أداء المسؤولين.
ابتعادهم عن الهياكل السياسية الرسمية لا يعني اللامبالاة، بل يعني في كثير من الأحيان خيبة الأمل.
كثير من المواطنين لا يبتعدون عن الأحزاب بسبب ضعف وعيهم السياسي، بل لأنهم لا يرون برامج جادة، ولا ديمقراطية داخلية، ولا قيادات كفؤة، ولا مساراً واقعياً للتأثير.
المشكلة ليست أن المواطنين لا يفهمون السياسة.
المشكلة أنهم يفهمونها بما يكفي ليدركوا متى تُمارس بطريقة سيئة.
أين المساءلة؟
يطالب السياسيون بالثقة، لكنهم يرفضون القياس.
يتحدثون عن الإنجازات دون نشر مؤشرات. ويعلنون المبادرات دون متابعة. ويعقدون المؤتمرات دون تقارير تنفيذ. ويصدرون توصيات دون تحديد الجهات المسؤولة عن تطبيقها.
الثقافة السياسية الجادة يجب أن تطرح أسئلة مباشرة:
ماذا وعدتم؟
ماذا أنجزتم؟
ما الموارد التي احتجتم إليها؟
ما العقبات التي منعت التنفيذ؟
من المسؤول؟
وماذا ستفعلون بطريقة مختلفة؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل الحد الأدنى من المساءلة العامة.
أي سياسي يعد هذه الأسئلة هجوماً عليه ليس مستعداً للحياة الديمقراطية.
المنصب العام ليس حصانة من النقد، بل سبب لمزيد من الرقابة.
توقفوا عن لوم المواطن
أصبح من السهل إلقاء اللوم على المواطن بسبب ضعف المشاركة السياسية، وانخفاض العضوية الحزبية، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة.
لكن قبل لوم المواطن، على المؤسسات السياسية أن تراجع نفسها.
هل قدمت الأحزاب برامج مقنعة؟
هل سمحت القيادات بانتخابات داخلية ومنافسة حقيقية؟
هل حافظ النواب على تواصلهم مع دوائرهم الانتخابية؟
هل جرى توثيق الوعود العامة ومراجعتها؟
هل جرى تقديم أصحاب الكفاءة، أم بقي الولاء والعلاقات الشخصية أهم؟
هل منح الشباب صلاحيات حقيقية، أم اكتفي بدعوتهم إلى المناسبات وتصويرهم في اللقاءات؟
لا يمكن أن يطلب من المواطن احترام مؤسسات سياسية لا تحترم عقله وخبرته وحقه في التأثير على القرار.
الأردن يحتاج إلى قادة سياسيين لا مشاهير سياسيين
لا يحتاج الأردن إلى جيل جديد من المشاهير السياسيين الذين تعتمد قيمتهم على الظهور والشعارات والجدل وبناء الصورة الشخصية.
الأردن يحتاج إلى قادة قادرين على اتخاذ قرارات صعبة، وشرحها بصدق، وبناء توافق وطني حولها، وقبول المسؤولية عن النتائج.
القيادة لا تقاس بعدد المقابلات أو الاجتماعات أو المتابعين أو التصريحات.
بل تقاس بما إذا كانت الأوضاع قد تحسنت.
هل انخفضت البطالة؟
هل زاد الاستثمار؟
هل تحسنت الخدمات العامة؟
هل أصبحت الإجراءات الإدارية أسهل؟
هل أصبح التعليم أكثر ارتباطاً بالواقع؟
هل ازداد تأثير المواطنين في القرار؟
هل ترك السياسي وراءه مؤسسات أقوى، أم ترك مجموعة من الخطب والصور؟
هذه هي المعايير التي تهم.
الخاتمة
الأردنيون العاديون يمارسون السياسة كل يوم. يتفاوضون، ويقيمون، ويسألون، ويقارنون، وينتقدون، ويتكيفون، ويتخذون خيارات صعبة تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية.
أما كثير من السياسيين، فما يزالون أسرى عالم الألقاب والشعارات والاستعراض والمنافسة الداخلية.
المواطن يعيش السياسة، بينما يكتفي السياسي في كثير من الأحيان بتمثيلها.
ولا يمكن أن يستمر هذا التناقض.
الأردن لا يحتاج إلى محاضرات موجهة للمواطنين عن الوعي السياسي، بل يحتاج إلى سياسيين يثبتون كفاءتهم السياسية.
ولا يحتاج إلى مزيد من الوعود بلا خطط، والأحزاب بلا برامج، والقيادات بلا مساءلة، والنواب بلا إنجازات قابلة للقياس.
والرسالة يجب أن تكون واضحة ومباشرة:
توقفوا عن تحميل الأردنيين مسؤولية ضعف الحياة السياسية.
فهم يفهمون السياسة بالفعل.
أما التحدي الحقيقي فهو العثور على سياسيين قادرين على ممارستها.