بقلم: المحامي حسام العجوري

ليست أخطر لحظات الوطن عندما يواجه أزمة اقتصادية أو تحديًا سياسيًا، بل عندما يبدأ المواطن بالشعور بأنه يقف وحيدًا أمام منظومة كاملة من الضغوط. فحين تتكاثر القرارات التي تثقل كاهله، وتتسع دائرة التشريعات التي يشعر أنها لا تعكس معاناته، وتتحول الخلافات إلى سيل من القضايا والملاحقات، فإن السؤال لم يعد عن حجم الأزمة، بل عن حجم الفجوة التي بدأت تتسع بين المواطن ومؤسسات الدولة.

المواطن الذي كان ينتظر من مؤسسات وطنه أن تكون درعه وحصنه، يجد نفسه اليوم يرفع صوته بالسؤال: من يسمع وجعه؟ ومن يدافع عن حقه؟ ومن يضمن أن تكون الدولة إلى جانبه عندما يشعر أن كل الطرق أصبحت أكثر صعوبة؟

فالدولة لا تهتز عندما ينتقدها مواطن، بل تهتز عندما يفقد المواطن إحساسه بأن صوته مسموع. ولا تضعف الأوطان عندما يطالب الناس بالإصلاح، بل تضعف عندما يصبح الصمت هو الخيار الوحيد خوفًا من العواقب.

لقد أصبح المواطن يواجه ثلاث جبهات في آن واحد: جبهة تنفيذية تستنزف قدرته على الحياة، وجبهة تشريعية تفرض عليه المزيد من الالتزامات، وجبهة قانونية يخشى البعض أن تتحول من وسيلة لحماية الحقوق إلى سيف مسلط على أصحاب الرأي والكلمة.

فبين مطرقة القرارات التي تزيد الأعباء المعيشية، وسندان التشريعات التي يرى البعض أنها لم تعد تلامس هموم الناس الحقيقية، يجد المواطن نفسه يبحث عن إجابة حول دوره ومكانته في منظومة الدولة.

لقد تحمل المواطن الأردني خلال السنوات الماضية ارتفاع الأسعار والضرائب والرسوم وكلف الحياة اليومية، وهو يدرك صعوبة الظروف الاقتصادية، لكنه ينتظر في المقابل حلولًا حقيقية تعالج البطالة، وتخلق فرص العمل، وترفع مستوى الدخل، وتعيد التوازن بين ما يُطلب منه وما يحصل عليه.

لكن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه: أين نصيب المواطن من ثروات وطنه؟

فالأردن يمتلك موارد وثروات طبيعية كان يفترض أن تكون رافعة أساسية للاقتصاد الوطني، من الفوسفات والبوتاس إلى مختلف الموارد والقطاعات الاستراتيجية. إلا أن المواطن ما زال يتساءل: لماذا لا يرى أثر هذه الثروات في حياته اليومية؟ ولماذا لا تتحول عوائدها إلى مشاريع تنموية وفرص عمل وتحسين في مستوى المعيشة؟

إن ثروات الوطن ليست ملكًا لفئة أو جهة، بل هي ملك للأجيال القادمة، ومن حق المواطن أن يعرف كيف تدار هذه الموارد، وما حجم الفائدة التي تعود على الاقتصاد الوطني، وهل تحقق هذه الثروات الغاية الأساسية منها، وهي خدمة الوطن والمواطن.

كما أن ملف الاستثمارات الكبرى يثير العديد من التساؤلات؛ فالمواطن يريد استثمارات حقيقية تفتح أبواب العمل أمام الشباب، لا اتفاقيات تبقى نتائجها بعيدة عن حياته. فالمطلوب أن يشعر الأردني بأن ثروات بلده واستثماراته تتحول إلى قوة اقتصادية تعود بالنفع عليه، وليس أن يبقى المواطن ينتظر ثمار التنمية دون أن يلمسها.

أما السلطة التشريعية، فقد كان المنتظر منها أن تكون صوت المواطن الحقيقي تحت قبة البرلمان، وأن تمارس دورها الرقابي والتشريعي بكل قوة. إلا أن حالة من الإحباط نشأت لدى كثير من المواطنين بسبب إقرار قوانين أثارت جدلًا واسعًا، وشعورهم بأن صوت الشارع لم يكن حاضرًا بالقدر الكافي.

فالبرلمان لم يُنتخب ليكون مجرد جهة تصوت على القوانين، بل ليكون عين المواطن وسيفه الرقابي، وأن يكون قادرًا على مساءلة الحكومة والدفاع عن حقوق الناس.

وفي ملف الحريات، لم يعد الأمر مجرد نقاش حول قضايا نشر، بل أصبح في نظر كثيرين مؤشرًا خطيرًا على تضييق مساحة الرأي العام ومحاصرة الأصوات التي تطرح الأسئلة وتكشف مكامن الخلل.

إن تسجيل 32 شكوى جرائم إلكترونية ضد أحد المواقع الإعلامية منذ بداية العام، بحسب ما أُعلن، يطرح تساؤلات جدية حول استخدام القضايا كوسيلة ضغط على الإعلام وأصحاب الرأي. فالإعلام الذي يكشف الخلل ويطرح الأسئلة لا يجب أن يُحاصر بالقضايا، بل يجب أن يُنظر إليه كشريك في الإصلاح وحماية المصلحة العامة.

فإسكات النقد لا يعالج الأخطاء، بل يؤجلها، والدول القوية ليست التي تمنع الأصوات، بل التي تستمع إليها وتستفيد منها.

إن مسؤولية حماية الوطن لا تقع على المواطن وحده، فالوطن أمانة في أعناق جميع السلطات. فالسلطة التنفيذية مطالبة بأن تجعل المواطن محور القرار لا مجرد متلقٍ للأعباء، وأن تثبت أن القرارات الاقتصادية تخدم الإنسان قبل الأرقام.

والسلطة التشريعية مطالبة بأن تستعيد دورها الحقيقي كصوت للشعب ورقيب على أداء الحكومة، لا أن تكون مجرد محطة لتمرير القوانين.

أما السلطة القضائية، فهي ميزان العدالة وحصن الحقوق، ومسؤوليتها أن تبقى عنوانًا للإنصاف وحماية سيادة القانون والحريات.

إن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، ولا بكثرة الإجراءات، ولا بتعدد القضايا، بل تُبنى بالعدل والثقة واحترام المواطن. فالمواطن الذي يشعر بأن مؤسسات وطنه تحميه سيكون أول المدافعين عنها، أما المواطن الذي يشعر بأنه يواجه السلطات بدل أن يجدها إلى جانبه، فإن الخطر لا يكون على فرد فقط، بل على العلاقة التي تجمع المواطن بوطنه.

فالأوطان لا تسقط عندما يطالب أبناؤها بالإصلاح، بل عندما تفقد المؤسسات القدرة على سماع صوتهم. واليوم تبقى الرسالة واضحة:

قوة الدولة في عدالة سلطاتها الثلاث، وفي شعور المواطن بأن القانون درع يحميه، لا سيف يُرفع عليه.