المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع


عندما يتعرض مسؤول سياسي أو مهني أو إداري لاتهام يمس نزاهته أو سمعته، يكون رد فعله الأول في كثير من الأحيان هو المسارعة إلى الظهور في مقابلة تلفزيونية أو إذاعية للدفاع عن نفسه. وقد يعتقد أن الحديث المطول أمام الجمهور سيبدد الشكوك ويثبت براءته، إلا أن هذا الظهور قد يحقق نتيجة معاكسة تمامًا.
فالإعلام ليس محكمة، والمقابلة ليست تحقيقًا قضائيًا، وكثرة الحديث لا تثبت النزاهة. وفي القضايا الحساسة، قد تتحول محاولة الدفاع عن النفس إلى مصدر لتناقضات وأسئلة ومعلومات جديدة لم تكن مطروحة في أصل القضية.
المحاور الإعلامي ليس محامي الضيف
يجب على من يقبل الظهور في مقابلة إذاعية أو تلفزيونية أن يدرك أن المحاور الإعلامي المتمرس قد يكون مستجوبًا بارعًا. فهو يستطيع ملاحظة التردد والتناقض، وإعادة السؤال بصيغ مختلفة، وربط الإجابات ببعضها، والانتقال من نقطة إلى أخرى حتى يحصل على أكبر قدر ممكن من المعلومات.
ومن الطبيعي أن يسعى المحاور إلى الوصول إلى معلومة جديدة، أو الحصول على تصريح لافت، أو كشف تناقض يثبت من خلاله قدرته على إدارة الحوار وطرح الأسئلة الصعبة. وهذه من طبيعة العمل الإعلامي، وليست بالضرورة موقفًا شخصيًا من الضيف.
لكن المحاور ليس مستشارًا قانونيًا لمن يستضيفه، ولا يتحمل مسؤولية حماية سمعته أو موقفه القانوني. فقد يخرج الإعلامي من اللقاء بمقابلة ناجحة مهنيًا، بينما يخرج الضيف منها وقد أضاف إلى مشكلته اعترافات أو تناقضات أو معلومات لم يكن مطالبًا بإعلانها.
ومهما بدا المحاور ودودًا أو متعاطفًا، فإنه يؤدي مهمته المهنية، ولا يتولى الدفاع عن ضيفه. ولن يتوقف بالضرورة عن طرح الأسئلة لأن الإجابات قد تضر بموقف الشخص الذي يجلس أمامه.
ولهذا فإن الدخول في مقابلة مفتوحة من دون استعداد قانوني ومعلوماتي دقيق يشبه الدخول في جلسة استجواب من دون مراجعة الملف، مع فارق مهم: كل كلمة تُقال في الإعلام تصبح متاحة للجمهور، ويمكن تسجيلها وإعادة نشرها وتحليلها ومقارنتها بأي أقوال أو وثائق تظهر لاحقًا.
ما تعلمته من التحقيقات المهنية
خلال مسيرتي المهنية، توليت قيادة عدد من التحقيقات في موضوعات وقضايا مختلفة، ولاحظت نمطًا سلوكيًا يستحق التوقف عنده.
فالشخص الواثق من سلامة موقفه كان، في أغلب الحالات، هادئًا ولا يحاول أن يثبت نزاهته قبل أن يُطلب منه ذلك. كان ينتظر الاستجواب، ويستمع إلى السؤال، ثم يجيب عنه مباشرة، ويقدم الوثيقة المطلوبة في وقتها، من دون توسع أو مبالغة أو محاولة لتوجيه مسار التحقيق.
أما بعض الأشخاص الذين كانوا يشعرون بضعف موقفهم، فكانوا يسارعون، قبل أن أطلب منهم شيئًا، إلى إرسال كميات كبيرة من الوثائق والتفسيرات والرسائل. وكانوا يجيبون عن أسئلة لم تُطرح، ويدافعون عن نقاط لم تكن موضع بحث أصلًا، ويحاولون إقناع المحقق بنزاهتهم بدل الاكتفاء بعرض الوقائع.
والمفارقة أن هذا الدفاع الاستباقي كان يمنحني، في بعض الحالات، معلومات وخيوطًا إضافية توسع نطاق التحقيق. فقد تكشف وثيقة غير مطلوبة عن علاقة لم تكن معروفة، أو يفتح تفسير مطول بابًا لسؤال جديد، أو يظهر تناقض بين روايتين، أو يقدم الشخص بنفسه دليلًا يدفع إلى التدقيق في أمر لم يكن مدرجًا في التحقيق الأساسي.
لقد تعلمت من ذلك أن الشخص الواثق لا يحتاج عادةً إلى إعلان نزاهته في كل جملة؛ فهو يترك للوقائع والوثائق أن تتحدث عنه. أما الإفراط في الشرح والتبرير، وخصوصًا قبل معرفة الأسئلة أو نطاق التحقيق، فقد يكون علامة على القلق أو ضعف الموقف، وقد يتحول إلى مصدر لأدلة جديدة ضد صاحبه.
ومع ذلك، لا يجوز اعتبار كثرة الكلام دليلًا قاطعًا على الذنب، كما لا يجوز اعتبار الهدوء دليلًا حاسمًا على البراءة. فالسلوك البشري يختلف من شخص إلى آخر، وقد يدفع الخوف أو الارتباك شخصًا بريئًا إلى الإفراط في التفسير. لكن الأجوبة غير المطلوبة تبقى مهمة بالنسبة إلى المحقق؛ لأنها قد تكشف معلومات لم يكن يعرفها، أو تفتح مسارات جديدة للفحص والتدقيق.
النزاهة لا تثبت بكثرة الكلام
النزاهة لا تُثبت بقوة الصوت، ولا بطول المقابلة، ولا بتكرار القول إن الاتهام غير صحيح. إنها تُثبت بالوثائق والأدلة والوقائع القابلة للتحقق.
وعندما يحاول شخص الدفاع عن نفسه إعلاميًا قبل دراسة ملفه كاملًا، فقد يواجه أسئلة لم يستعد لها، أو يتحدث عن وقائع لا يتذكر تفاصيلها بدقة، أو يقدم تفسيرات عاطفية لا تصمد أمام الفحص القانوني والمهني.
وقد يقع في أخطر الأخطاء: أن ينفي أمرًا بصورة قاطعة، ثم تظهر لاحقًا رسالة أو وثيقة أو تسجيل أو شهادة تتعارض مع نفيه. وحتى لو كان التناقض ناتجًا عن ضعف الذاكرة وليس عن تعمد الكذب، فإن القضية ستنتقل من مناقشة الاتهام الأصلي إلى التشكيك في صدق الشخص ومصداقيته.
وكلما توسع المتحدث في تفاصيل لم تُطلب منه، أعطى المحاور والجمهور، وربما الجهات القانونية، مادة إضافية للفحص والمقارنة. وقد يدخل المقابلة بهدف إغلاق ملف واحد، ثم يخرج منها وقد فتح عدة ملفات جديدة.
متى يكون اللجوء إلى القانون هو الخيار الصحيح؟
إذا كان الشخص واثقًا من سلامة موقفه، وبعد أن يراجع جميع الوثائق والمراسلات والتسجيلات والشهادات مع مستشاريه القانونيين، فإن الطريق القانوني هو المسار الأكثر جدية لحماية حقه وسمعته.
وفي هذه الحالة، لا يحتاج إلى خوض جولات إعلامية طويلة. يكفيه بيان مقتضب يرفض فيه الاتهام، ويعلن أنه أحال الأمر إلى الجهات المختصة، ثم يترك للأدلة والقضاء مهمة إظهار الحقيقة.
لكن الشعور الشخصي بالبراءة لا يكفي وحده؛ فقد يكون الإنسان مقتنعًا بأنه لم يرتكب خطأ، بينما تكشف الوثائق عن تصرفات أو التزامات أو علاقات لم يقدّر دلالاتها القانونية بصورة صحيحة. لذلك يجب أن يسبق أي تحرك قانوني أو إعلامي فحص شامل وصريح للملف، بما في ذلك الوقائع التي قد لا تكون مريحة للشخص نفسه.
ماذا يفعل من لا يمتلك الصورة الكاملة؟
إذا كان الشخص غير متأكد من بعض الوقائع، أو لا يتذكر ما قاله أو فعله بدقة، أو يعلم أن هناك معلومات لم يراجعها بعد، فإن الظهور الإعلامي يصبح مخاطرة كبيرة.
في هذه الحالة، يكون الصمت المؤقت أكثر حكمة من دفاع متسرع. والصمت هنا لا يعني الاعتراف أو الهروب من المسؤولية، وإنما يعني الامتناع عن تقديم رواية غير مكتملة قد تُستخدم لاحقًا ضد صاحبها.
لكن الصمت لا يعني إهمال الموضوع. فعلى الشخص أن يبدأ فورًا بجمع الوثائق، وحفظ المراسلات والتسجيلات، ومراجعة الحسابات والعقود، وإعداد تسلسل زمني دقيق للوقائع، والاستعانة بمحامٍ أو مستشار مختص.
ويجب ألا يشمل الاستعداد حذف أي وثيقة، أو تعديل أي معلومة، أو التأثير في أي شاهد؛ لأن الدفاع المشروع يقوم على حفظ الحقيقة والاستعداد لعرضها، لا على إخفائها أو إعادة تشكيلها.
تجاهل الضجيج لا يعني تجاهل الخطر
ليست كل شائعة جديرة بالرد، وليس كل منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قضية تستحق مقابلة أو مؤتمرًا صحفيًا. فقد يموت الاتهام الضعيف إذا لم يُمنح مزيدًا من الانتشار، بينما قد يؤدي الرد الانفعالي إلى تعريف جمهور أوسع به ومنحه أهمية لم تكن لديه.
ومع ذلك، يجب التمييز بين تجاهل الضجيج الإعلامي وتجاهل الخطر القانوني. فإذا بدأ الاتهام يسبب ضررًا فعليًا للسمعة أو الوظيفة أو المصالح المهنية، أو تحول إلى شكوى رسمية، فلا يعود الصمت وحده كافيًا. عندها يجب أن يكون الرد منظمًا ومدعومًا بالوثائق، وأن يقدم من خلال القنوات القانونية والمؤسسية المناسبة.
المسؤولية العامة تتطلب انضباطًا أكبر
المسؤول السياسي أو المهني لا يمثل نفسه فقط؛ فحديثه قد يؤثر في مؤسسة أو شركة أو حزب أو مهنة كاملة. ولذلك فإن مسؤوليته في ضبط تصريحاته أكبر من مسؤولية الشخص العادي.
وقد يعتقد البعض أن الظهور السريع دليل على الشجاعة، وأن الصمت دليل على الضعف. لكن الشجاعة الحقيقية ليست في قبول كل دعوة إعلامية، بل في اختيار المكان الصحيح لعرض الحقائق، والاستعداد لتحمل نتائج التحقيق، والقبول بفحص الأدلة من جهة مستقلة.
ولا ينبغي للمسؤول أن يحوّل دفاعه عن نفسه إلى هجوم على الطرف الآخر، أو أن يطلق اتهامات مقابلة بالابتزاز أو التلفيق أو الفساد من دون تقديم شكوى وأدلة. فالاتهام المضاد لا يلغي الاتهام الأصلي، وقد يفتح ملفًا قانونيًا وأخلاقيًا جديدًا.
ثلاث قواعد لإدارة الاتهامات
يمكن تلخيص التعامل المسؤول مع الاتهامات في ثلاث حالات:
أولًا: إذا كان الشخص واثقًا من سلامة موقفه، وتأكد بعد مراجعة الملف أن الأدلة تدعم روايته، فعليه أن يسلك الطريق القانوني، وأن يحصر حديثه الإعلامي في بيان قصير ودقيق.
ثانيًا: إذا كانت لديه شكوك أو معلومات ناقصة، فعليه ألا يندفع إلى الدفاع العلني. الأفضل أن يصمت مؤقتًا، ويراجع الوقائع، ويُعد دفاعه بعناية تحسبًا لتصاعد القضية.
ثالثًا: إذا تحول الاتهام إلى ضرر فعلي أو إجراء رسمي، فعليه أن يرد من خلال القانون والوثائق والجهات المختصة، لا من خلال الانفعال أو الارتجال الإعلامي.
خاتمة
ليست المقابلة التلفزيونية مكانًا مثاليًا لإثبات النزاهة، وليست الإطلالة الإذاعية بديلًا عن التحقيق أو القضاء. فالكلمات التي تُقال تحت الضغط قد تعقّد القضية، بينما تبقى الوقائع والوثائق أكثر قدرة على حماية صاحب الحق.
فمن كان واثقًا من سلامة موقفه، ومدعومًا بالأدلة، فليتجه إلى القانون. ومن كانت لديه شكوك أو ثغرات في المعلومات، فليتجنب الدفاع الإعلامي المتسرع، وليستعد جيدًا لأي تطور قد يسبب له ضررًا.
إن الصمت المدروس ليس دائمًا ضعفًا، كما أن كثرة الكلام ليست دليلًا على البراءة. وأفضل دفاع للشخص الواثق ليس أن يتحدث أكثر، بل أن يتحدث بدقة: يجيب عن السؤال المطروح، ويقدم الدليل المطلوب، ولا يحوّل الدفاع عن نفسه إلى سيل من المعلومات التي قد تفتح عليه أبوابًا لم تكن مفتوحة.
وفي القضايا الحساسة، لا تكمن الحكمة في أن تقول كل ما لديك، بل في أن تعرف ماذا تقول، ومتى تقوله، وأمام أي جهة.