بقلم / المهندس سمير سليمان
عندما يُطرح موضوع الهدر الغذائي، تتجه الأنظار غالبًا إلى الطعام الذي يُلقى في سلة المهملات داخل المنازل أو المطاعم. غير أن هذه الصورة لا تمثل سوى المحطة الأخيرة في رحلة طويلة تبدأ قبل الحصاد، وتتراكم فيها الأخطاء في كل مرحلة من مراحل الإنتاج والتداول والتسويق، حتى ينتهي جزء من الغذاء إلى الهدر.
إن اختزال الهدر الغذائي في سلوك المستهلك لا يعكس حقيقة المشكلة، فالهدر هو سلسلة مترابطة تبدأ في الحقل، وتمر بعمليات ما بعد الحصاد، وسلاسل التوريد، والأسواق، ثم تنتهي عند المستهلك.
وتبدأ أولى حلقات هذه السلسلة قبل الحصاد، عندما تغيب الرؤية الواضحة لإدارة المنتج بعد جمعه. فإنتاج محصول جيد لا يكفي وحده لتحقيق عائد اقتصادي مرتفع أو الحد من الفاقد، إذ لا بد أن يترافق مع التخطيط لعمليات التدريج والتصنيف والتوضيب والتسويق.
فالمنتجات الزراعية ليست جميعها بدرجة واحدة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. ولكل درجة سوقها واستخدامها وقيمتها الاقتصادية. فالثمار ذات المواصفات الممتازة قد تتجه إلى التصدير أو أسواق التجزئة عالية الجودة، بينما يمكن للثمار ذات العيوب الشكلية أو الأحجام المختلفة أن تحقق قيمة مضافة من خلال الأسواق المحلية أو الصناعات الغذائية، بدلاً من أن تتحول إلى فاقد.
ولنأخذ محصول البندورة مثالًا؛ فالثمار المتجانسة في الحجم واللون والجودة تحقق قيمة سوقية أعلى، بينما يمكن استثمار الثمار الأقل جودة في صناعة رب البندورة أو العصائر أو غيرها من الصناعات الغذائية. وكذلك الحال في الحمضيات والعنب والخيار والكوسا والفلفل والخوخ والمشمش، فجميعها تحتاج إلى إدارة دقيقة تبدأ منذ لحظة الحصاد ولا تنتهي إلا بوصولها إلى المستهلك.
وتبرز هنا إحدى الممارسات التي ما زالت موجودة في بعض الحالات، والمعروفة في الأسواق باسم "التوجيه"، حيث توضع الثمار ذات الجودة العالية في أعلى العبوة، بينما تُخفى الثمار الأقل جودة في أسفلها. وقد يحقق هذا الأسلوب مكسبًا سريعًا، لكنه يترك أثرًا سلبيًا طويل الأمد، إذ يفقد التاجر ثقته بالمورد، ويزيد من تشدد عمليات الفحص، ويرفع نسب رفض الشحنات أو تخفيض أسعارها، فتتسع دائرة الفاقد الغذائي دون أن يشعر كثيرون بذلك.
ومن الإنصاف التأكيد أن هذا الواقع لا ينطبق على جميع المزارعين. فهناك في الأردن مزارعون يشكلون نماذج ناجحة في إدارة ما بعد الحصاد، ويحققون نتائج متميزة لأنهم يلتزمون بالتدريج والتصنيف والتوضيب وفق أسس فنية، ويقدمون منتجات متجانسة وذات جودة واضحة. وهؤلاء غالبًا هم الأكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق، والأفضل سعرًا، والأقل تعرضًا لرفض الشحنات أو تكبد الخسائر، ما يؤكد أن الاستثمار في إدارة المنتج بعد الحصاد يحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا.
ولا تتوقف رحلة الهدر عند حدود المزرعة، بل تمتد إلى مراحل التعبئة والنقل والتخزين. فالعبوات غير المناسبة، وسوء المناولة أثناء التحميل والتنزيل، وغياب التبريد للمحاصيل الحساسة، جميعها عوامل تؤدي إلى تلف جزء من الإنتاج قبل وصوله إلى الأسواق. كما أن ضعف التنسيق بين الإنتاج والطلب يؤدي في بعض الأحيان إلى تدفق كميات كبيرة من محصول واحد في وقت قصير، فتتراجع الأسعار، ويصبح تسويق الفائض أكثر صعوبة، خاصة في ظل محدودية إمكانات التخزين والتصنيع الغذائي.
وعندما يصل المنتج إلى الأسواق، تبدأ عمليات فرز جديدة، وقد تُستبعد كميات إضافية نتيجة غياب التصنيف الدقيق أو فقدان الثقة بين أطراف السلسلة التسويقية. ثم تصل الرحلة إلى محطتها الأخيرة عند المستهلك، حيث يسهم الشراء بكميات تفوق الحاجة، وسوء التخزين، والهدر في المناسبات والمطاعم، في استكمال هذه السلسلة.
إن الحد من الهدر الغذائي لا يبدأ بحملات توعية للمستهلك فقط، بل يبدأ من الحقل، عبر نشر ثقافة إدارة ما بعد الحصاد، وتعزيز عمليات التدريج والتصنيف والتوضيب، والالتزام بالشفافية في تسويق المنتجات، وتحسين التعبئة والنقل والتخزين، وتطوير الصناعات الغذائية القادرة على استيعاب الفائض الموسمي، وربط الإنتاج بالأسواق بكفاءة أعلى.
وفي الأردن، حيث تُعد المياه المورد الأكثر ندرة، فإن كل كيلوغرام من الغذاء يُهدر لا يمثل خسارة في المنتج فقط، بل خسارة في المياه والطاقة والأسمدة والعمالة ووسائل النقل والوقت. ولذلك فإن تقليل الهدر الغذائي ليس مجرد قضية اقتصادية أو بيئية، بل هو أحد أهم أدوات تعزيز الأمن الغذائي، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتحسين دخل المزارع، وزيادة تنافسية القطاع الزراعي.
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف الهدر الغذائي. فهو لا يبدأ عندما تُلقى الثمرة في سلة المهملات، بل عندما نفقد فرصة الاستفادة منها في أي محطة من رحلتها؛ من الحقل، إلى التعبئة، إلى النقل، إلى السوق، وحتى المائدة. فكل حلقة تُدار بكفاءة تعني غذاءً أكثر، ومياهً أقل هدرًا، ودخلًا أفضل للمزارع، وأمنًا غذائيًا أكثر استدامة.
إن الثمرة لا تصبح هدرًا عندما تصل إلى سلة المهملات، بل عندما نفقد فرصة الاستفادة منها في أي محطة من رحلتها. وإذا نجحنا في إدارة هذه الرحلة بكفاءة، فإننا لن نحافظ على الغذاء فحسب، بل سنحافظ على مواردنا الوطنية، ونبني قطاعًا زراعيًا أكثر كفاءة، وثقة، واستدامة.
