البوصلة انحرفت قليلاً... وحان وقت تصويبها

المحامي حسام العجوري 

مولاي صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظكم الله ورعاكم،

نكتب إليكم ونحن على يقين بأنكم كنتم وما زلتم الحامي للدستور، والراعي لمسيرة الإصلاح، والمؤمن بأن الدولة القوية تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام المسؤول.

لقد كفل الدستور الأردني حرية الرأي والتعبير، فنصت المادة (15) على أن الدولة تكفل حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير، كما كفل حرية الصحافة والطباعة والنشر والإعلام ضمن حدود القانون. كما أكدت المادة (101) أن المحاكم مفتوحة للجميع، وأن القضاء هو المرجع في حماية الحقوق وإقامة العدل.

مولاي،

إن ما نشهده من تزايد الشكاوى الجزائية ضد المواقع الإخبارية والصحفيين يثير القلق على مستقبل حرية الإعلام في وطننا. وعلى سبيل المثال، تعرض أحد المواقع الإخبارية لإقامة (32) شكوى بحقه. والأخطر من ذلك أن القضاء الأردني النزيه والعادل انتهى في كل مرة إلى إعلان البراءة.

إن تكرار البراءة بهذا الشكل يطرح تساؤلات مشروعة: كيف تُسجل هذا الكم الكبير من القضايا إذا كانت تنتهي تباعاً بعدم ثبوت الجرم؟ وهل أصبحت الشكوى وسيلة لإرهاق الإعلام وإشغاله واستنزاف وقته وموارده، حتى وإن كان مصيرها البراءة؟

ولا تقف هذه الظاهرة عند موقع واحد، بل امتدت إلى مواقع إخبارية وصحفيين آخرين، بما يعكس وجود من يحاول استخدام نفوذه لإسكات الأصوات الناقدة، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ الدولة الديمقراطية التي نفاخر بها.

مولاي،

إن استقلال القضاء محل احترام وثقة، وقد أثبت القضاة الأردنيون عدالة أحكامهم في هذه القضايا. لكن كثرة تسجيل الدعاوى التي تنتهي بالبراءة تفرض ضرورة مراجعة آلية تحريكها، حتى لا تتحول الإجراءات القضائية إلى وسيلة ضغط على الإعلام.

ومن هنا، فإننا نأمل أن يكون هناك اهتمام بدور رئيس المجلس القضائي في تطوير آليات العمل، وبما ينسجم مع أحكام القانون، بحيث يتم التحقق من توافر الأركان القانونية للجريمة قبل المضي في تسجيل الدعاوى التي لا تقوم على أساس قانوني متين، حفاظاً على وقت القضاء، وجهد النيابة العامة، والمال العام.

إن استمرار هذا الواقع لا يرهق المحاكم والنيابة العامة فحسب، بل يلحق خسائر بالخزينة نتيجة إنفاق الوقت والموارد على قضايا تنتهي بالبراءة، كما يعطل الفصل في قضايا أخرى ينتظر أصحابها العدالة.

وفوق ذلك كله، فإن كثرة القضايا المرفوعة ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، رغم انتهائها بالبراءة، قد تترك انطباعاً سلبياً عن واقع الحريات في الأردن، وهو أمر لا ينسجم مع الصورة التي يحرص جلالتكم على ترسيخها لدولة القانون والمؤسسات.

مولاي صاحب الجلالة،

إن الأردن كان وسيبقى أقوى بديمقراطيته، وأرسخ بسيادة القانون، وأعدل باستقلال قضائه، وأصدق بإعلامه الحر والمسؤول.

نأمل من جلالتكم التوجيه نحو تصويب البوصلة، بما يعزز حرية الإعلام، ويحمي استقلال القضاء، ويمنع إساءة استخدام الحق في التقاضي للإضرار بالصحافة، حتى يبقى الأردن نموذجاً في العدالة والحرية واحترام الدستور.

حفظكم الله ذخراً للوطن، وأدام عز الأردن في ظل قيادتكم الهاشمية الحكيمة.