بقلم: المحامية هنزاد التل

لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة نستخدمها لتسهيل حياتنا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياتنا اليومية، ومصدرًا سريعًا للمعلومات، وأداة تساعدنا في اتخاذ قرارات كثيرة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يحدث عندما تتحول المعلومة التي نقرأها على شاشة الهاتف إلى قرار نتصرف على أساسه، دون أن نتحقق من صحتها أو من مدى انطباقها على حالتنا؟
هنا تبدأ المشكلة.
المعلومة ليست قرارًا، والموقع الإلكتروني ليس محكمة، والذكاء الاصطناعي ليس صاحب سلطة.
قد يجد الإنسان معلومة قانونية أو اجتماعية أو نفسية على أحد المواقع، فيتعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية، رغم أنها قد تكون عامة، أو قديمة، أو مرتبطة بتشريع مختلف، أو لا تنطبق على ظروفه الخاصة.
والأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص لم يعودوا يتوقفون عند حدود البحث عن المعلومة، بل ينتقلون مباشرة إلى تطبيقها.
قد يبدأ الأمر بسؤال بسيط على الإنترنت، ثم يتحول إلى موقف، والموقف إلى خلاف، والخلاف إلى نزاع.
وهذا الأمر يظهر بصورة واضحة داخل الأسرة.
عندما ينشأ خلاف بين زوجين أو بين أفراد الأسرة، قد يلجأ أحد الأطراف إلى الإنترنت بحثًا عن إجابة تؤكد وجهة نظره، ثم يجد الطرف الآخر معلومة مختلفة تؤكد وجهة نظره هو أيضًا. وفي وقت قصير، يتحول الهاتف من وسيلة للمعرفة إلى طرف غير مباشر في الخلاف.
فهل أصبحت التكنولوجيا وسيلة لحل المشكلات… أم أصبحت أحيانًا وسيلة لتعقيدها؟
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طريقة استخدامها.
في المجال القانوني على سبيل المثال، لا تكفي قراءة نص قانوني منشور على الإنترنت لفهم قضية كاملة؛ فالقانون لا يُقرأ بمعزل عن الوقائع والإجراءات والاختصاص والتعديلات والاجتهادات القضائية والظروف الخاصة بكل قضية.
والأمر نفسه ينطبق على المعلومات الطبية والنفسية والمالية والاجتماعية. فالمعلومة التي قد تكون صحيحة في حالة معينة، قد لا تكون صحيحة أو مناسبة لحالة أخرى.
لذلك، فإن التكنولوجيا يمكن أن تكون بداية جيدة للبحث، لكنها لا ينبغي أن تكون دائمًا نهاية التفكير.
لقد أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في العثور على المعلومة، بل في القدرة على التحقق منها وفهمها واستخدامها في سياقها الصحيح.
وهنا تظهر مسؤولية الإنسان.
ليس المطلوب أن نخاف من التكنولوجيا أو نرفضها، بل أن نتعلم كيف نستخدمها بوعي. فالتكنولوجيا يمكن أن تساعدنا في الوصول إلى المعرفة، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التفكير والتحقق والاستشارة.
والأخطر أن الإنسان قد لا يبحث عن الحقيقة أصلًا، بل يبحث عن معلومة تؤيد موقفه.
وهنا تتحول المعرفة إلى أداة صراع.
قد تبدأ القصة ببحث بسيط على الإنترنت، وتنتهي بخلاف بين زوجين، أو قطيعة بين أفراد الأسرة، أو اتهامات متبادلة، أو قرار متسرع كان من الممكن تجنبه لو توقف الإنسان للحظة وسأل نفسه:
هل تحققت من هذه المعلومة؟
التكنولوجيا أعطتنا سرعة هائلة في الوصول إلى المعلومات، لكنها لم تمنحنا بالضرورة الحكمة الكافية في استخدامها.
ولهذا، فإن المسؤولية لا تقع على التكنولوجيا وحدها، ولا على الموقع الإلكتروني وحده، ولا على الذكاء الاصطناعي وحده.
المسؤولية تبدأ من الإنسان نفسه؛ من قدرته على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين النص العام والحالة الخاصة، وبين المعرفة الحقيقية والمعلومة التي لم يتم التحقق منها.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة أقرب إلينا من أي وقت مضى، ربما لم يعد السؤال:
هل نملك التكنولوجيا؟
بل أصبح السؤال الأهم:
هل نملك الوعي الكافي حتى لا تملك التكنولوجيا قراراتنا؟
وفي النهاية، لا ينبغي أن نخشى من تطور التكنولوجيا، بل علينا أن نخشى من أن تتطور أدواتنا أسرع من وعينا.
فالتكنولوجيا يمكن أن تكون نعمة عظيمة عندما نستخدمها بعقل ووعي، لكنها قد تتحول إلى نقمة عندما نمنحها سلطة اتخاذ قرارات تمس حياتنا وعلاقاتنا وحقوق الآخرين.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
عندما تتحول المعلومة الإلكترونية إلى قرار يغيّر حياة الإنسان، أو يهدم علاقة، أو يشعل نزاعًا… من يتحمّل مسؤولية النتائج؟