بقلم محمد النجار

«إن الإنسان كائن معقّد، تعرف منه وتجهل، مهما يكن قريبًا منك، ولا يعلم دواخله إلا الله، وربما لا يعرف نفسه إلا عند الظروف والاختبارات».

بهذه الفكرة العميقة التي يطرحها الدكتور وليد سيف، نصل إلى سؤال ربما لا نجد له جوابًا حاسمًا: هل نعرف الإنسان حقًا؟ وهل يعرف الإنسان نفسه؟

نحن نعيش سنوات مع أشخاص نظن أننا نعرفهم، ثم يكفي موقف واحد ليكشف لنا وجهًا لم نره من قبل. إنسان عرفناه هادئًا يصبح عاصفة عند الغضب، وآخر ظنناه ضعيفًا يفاجئنا بقوة وشجاعة في لحظة الخطر. شخص لطيف في متجره قد يكون قاسيًا في بيته، وموظف جاف في مكتبه قد تكتشف، حين تلتقيه خارج العمل، أنه إنسان ودود يحمل فوق كتفيه من الهموم ما لا نعرفه.

فأيهما هو الحقيقي؟

ربما كانت الإجابة الأكثر تعقيدًا: كلاهما حقيقي.

فالإنسان ليس شخصية واحدة ثابتة، بل عالم كامل من الرغبات والمخاوف والقيم والذكريات والضغوط. وفي داخل هذا العالم تخوض شخصياتنا الصغيرة معارك لا يراها أحد. وقد لا نكتشف نحن أنفسنا بعض جوانبنا إلا عندما تدفعنا الحياة إلى الزاوية.

وهذا يقترب من بعض أفكار عالم النفس سيغموند فرويد، الذي رأى أن النفس الإنسانية ليست بسيطة، بل تعيش صراعًا مستمرًا بين الرغبات والدوافع، وبين الضمير والقيم والقيود الأخلاقية، وبين واقع يفرض على الإنسان أن يختار ويوازن.

ولهذا ليس غريبًا أن يكون الإنسان طيبًا في موقف وقاسيًا في آخر، شجاعًا أمام الناس وخائفًا عندما يكون وحيدًا، أو متواضعًا حتى يحصل على سلطة صغيرة فيتحول إلى شخص آخر.

وهنا تظهر واحدة من أكثر الظواهر إثارة للتأمل: السلطة لا تصنع دائمًا شخصية الإنسان، بل قد تكشفها.

فكم من إنسان لا يستطيع إثبات نفسه في حياته، ثم يحصل على منصب صغير فيجد فيه فرصة لتعويض شعور قديم بالنقص؟ يتحول المدير إلى جلاد، والمسؤول إلى مصدر خوف، ويصبح الموظفون وسيلة يشعر من خلالها بأنه مهم.

إنه لا يبحث عن الاحترام، بل عن الخضوع.

ولا يشعر بالقوة إلا عندما يرى الآخرين ضعفاء أمامه.

وهنا يصبح السؤال: هل المشكلة في السلطة أم في الإنسان الذي منحناه السلطة؟

وفي المقابل، نجد من يملك السلطة نفسها لكنه يزداد تواضعًا، لأن وازعه الديني والأخلاقي والإنساني يجعله يرى المنصب مسؤولية لا امتيازًا، وخدمة الناس واجبًا لا منّة.

فالظروف تؤثر في الإنسان، لكنها لا تعفيه من مسؤولية اختياراته.

غير أن تعقيد الإنسان اليوم أصبح أكبر. فنحن نعيش في عالم سريع وصاخب، تلاحقنا فيه الأخبار والشاشات والرسائل والآراء بلا توقف. أصبح الإنسان كأنه يعيش داخل قاعة أفراح صاخبة؛ أصوات كثيرة إلى درجة أنه لم يعد قادرًا على سماع شيء بوضوح.

أو كأنه يقف وسط مصنع كثيف الدخان؛ الحركة مستمرة، لكن الرؤية مشوشة.

إننا نعاني اليوم نوعًا جديدًا من التلوث: تلوثًا نفسيًا وفكريًا وسمعيًا وبصريًا. نعرف كثيرًا من الأخبار، لكننا قد نعرف أقل عن أنفسنا. نتواصل مع مئات الأشخاص، لكننا نعيش عزلة حقيقية. نقرأ آراء الجميع، ثم ننسى أن نسأل: ما رأينا نحن؟ ومن نحن أصلًا؟

وهنا لا بد من طرح السؤال الأهم: ما الحل؟

هل نحتاج إلى مزيد من الضجيج أم إلى قليل من الصمت؟ هل نحتاج إلى مزيد من الشاشات أم إلى مزيد من الحوار الحقيقي؟ وهل يمكن أن نبني أسرة ومدرسة وبيئة عمل تساعد الإنسان على فهم نفسه قبل أن ينفجر في وجه الآخرين؟

ربما يبدأ الحل من الاعتراف بأن الإنسان ليس آلة. وأن الموظف المرهق، والزوج الغاضب، والابن الصامت، والمدير المتسلط، كلهم بحاجة إلى فهم أعمق لما يدور في داخلهم، دون أن يعني ذلك تبرير الإساءة أو إعفاء المسيء من المسؤولية.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نعبّر عن الضغط قبل أن يتحول إلى غضب، وكيف نستخدم السلطة لخدمة الناس لا لإذلالهم، وكيف نحكم على الأفعال بعدل دون أن نتوهم أننا نعرف كل شيء عن أصحابها.

فالحقيقة أننا، في معظم الأحيان، لا نرى الإنسان كله، بل نرى الوجه الذي سمحت لنا اللحظة أن نراه.

ولهذا، قبل أن نحكم على الآخرين، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: ماذا لو عشنا ظروفهم؟ وماذا لو وُضعنا نحن في الاختبار نفسه؟

فالإنسان قد يبقى مجهولًا حتى لأقرب الناس إليه، وربما يبقى مجهولًا لنفسه أيضًا.

وفي النهاية، ليس السؤال الحقيقي: من هو الإنسان الذي أمامنا؟ بل: من نكون نحن عندما تتغير الظروف، ويغيب الرقيب، ونمتلك القوة، ونخاف، ونغضب، وتضعنا الحياة أمام الاختبار؟

ربما عندها فقط... نلتقي بأنفسنا للمرة الأولى.