بقلم: مؤيد أحمد المجالي

ماذا لو أخبرناك أن مستقبل إنسانٍ قضى اثني عشر عاماً في المدرسة يمكن أن يُختزل في أرقام تُكتب على ورقة امتحان؟
ماذا لو كان المطلوب من الطالب، بعد سنوات طويلة من الدراسة، أن يثبت أنه يستحق الجامعة من خلال امتحان لا يقيس بالضرورة قدرته على التفكير، ولا إبداعه، ولا شخصيته، ولا مهاراته، ولا قدرته على حل المشكلات؟
ماذا لو كان مستقبل جيل كامل معلّقاً على عدة ساعات من الأسئلة والأجوبة؟
هذه هي فلسفة (التوجيهي) التي ما زلنا نتمسك بها وكأن الزمن توقف، وكأن العالم لم يتغير، وكأن التعليم ما زال يعني: احفظ، استرجع، اكتب، ثم انتظر العلامة.

التوجيهي ليس مقدساً!
لنبدأ من الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها:
التوجيهي ليس نصاً مقدساً، وليس قانوناً من قوانين الطبيعة، وليس قدراً محتوماً على الأردنيين إلى يوم القيامة.
إنه نظام وضعه البشر، ولذلك يستطيع البشر تطويره أو تغييره أو استبداله.
المشكلة أننا تعاملنا معه طوال عقود وكأنه المؤسسة التي لا يجوز الاقتراب منها.
نغيّر المناهج، ونغيّر الكتب، ونغيّر أساليب التدريس، ونغيّر أنظمة القبول الجامعي، ونغيّر شكل الامتحان، ثم نعود في النهاية إلى الفكرة نفسها:
طالب يقف أمام ورقة امتحان، وعلامته تقرر إلى حد كبير مستقبله.
فهل هذه هي فلسفة التعليم التي نريدها في القرن الحادي والعشرين؟
هل العلامة تكشف حقيقة الطالب؟
طالب يحصل على 98% ليس بالضرورة أكثر ذكاءً من طالب حصل على 80%.
وطالب حصل على 70% ليس بالضرورة أقل قدرة على النجاح في الحياة من طالب حصل على 95%.
فالعلامة تقيس أداء الطالب في نظام تقييم محدد وفي وقت محدد، لكنها لا تستطيع اختزال الإنسان كله.
لا تقيس بالضرورة قدرته على الابتكار.
ولا تقيس شجاعته في اتخاذ القرار.
ولا قدرته على التواصل.
ولا مهاراته التقنية.
ولا قدرته على العمل ضمن فريق.
ولا قدرته على البحث والتحليل.
ولا قدرته على التعامل مع المشكلات الحقيقية.
ومع ذلك، نضع الرقم أمام اسم الطالب، ثم نبدأ بتوزيع الأحكام:
هذا متفوق.
هذا متوسط.
هذا ضعيف.
هذا يستحق الطب.
وهذا لا يستحق إلا تخصصاً آخر.
وكأن الإنسان أصبح رقماً.

امتحان واحد.. وقلق عائلة كاملة
التوجيهي لم يعد امتحاناً مدرسياً.
لقد تحول إلى (موسم وطني للقلق).
طالب يعيش عاماً كاملاً تحت ضغط العلامة.
أب وأم يعيشان مع ابنهم تفاصيل الامتحان وكأن الأسرة كلها تخوضه.
مدرسة تقيس نجاحها بنسب النجاح.
مجتمع يسأل الطالب: كم جبت؟
ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة:
شو بدك تدخل؟
وفي كثير من الأحيان، لا يُسمح للطالب حتى بأن يكتشف نفسه.
يُطلب منه أن يحدد مستقبله قبل أن يعرف قدراته الحقيقية.

حين يتحول التعليم إلى سوق
هناك جانب آخر أكثر خطورة.
كلما ارتفعت أهمية الامتحان، ارتفعت قيمة كل وسيلة تساعد الطالب على الحصول على علامة أعلى.
وهنا تنمو سوق الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية والمنصات والدورات.
الطالب الذي تستطيع أسرته الإنفاق أكثر يحصل غالباً على فرص تعليمية إضافية لا يحصل عليها غيره.
وهكذا يتحول الامتحان من أداة لقياس العدالة التعليمية إلى جزء من منظومة قد تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية.
فهل يعقل أن يصبح المال عاملاً مؤثراً في سباق يفترض أنه قائم على تكافؤ الفرص؟

العالم يتغير.. ونحن ما زلنا نطارد الحفظ
العالم اليوم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي.
الآلة تستطيع الوصول إلى المعلومة خلال ثوانٍ.
والسؤال الحقيقي لم يعد:
هل تستطيع أن تحفظ المعلومة؟
بل:
هل تستطيع أن تفهمها؟
هل تستطيع أن تتحقق منها؟
هل تستطيع أن تستخدمها؟
هل تستطيع أن تحللها؟
هل تستطيع أن تكتشف الخطأ الذي ارتكبته الآلة نفسها؟
هذه هي المهارات التي سيحتاجها أبناء هذا الجيل.
أما أن نبني جزءاً كبيراً من فلسفة التعليم حول قدرة الطالب على تخزين المعلومات ثم استعادتها في الامتحان، فهذه فلسفة تنتمي إلى زمن آخر.

المشكلة ليست في الامتحان.. بل في تقديس الامتحان
ولنكن منصفين.
نحن لا نقول إن الدولة لا تحتاج إلى امتحان وطني.
بل تحتاج إلى معايير وطنية واضحة، وتحتاج إلى وسيلة عادلة للمقارنة بين الطلبة، وتحتاج إلى التأكد من امتلاك الطالب الحد الأدنى من المعارف والمهارات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الامتحان إلى المحكمة النهائية التي تحكم على مستقبل الطالب كله.
لماذا لا يكون هناك تقييم تراكمي؟
لماذا لا يكون للمشاريع والأبحاث والمهارات العملية وزن حقيقي؟
لماذا لا يحصل الطالب على أكثر من فرصة؟
لماذا لا نستخدم اختبارات معيارية وطنية تقيس الفهم والتحليل بدلاً من التركيز المفرط على الاستظهار؟
لماذا لا نعيد تعريف النجاح نفسه؟

نحتاج إلى ثورة تعليمية لا إلى تعديل جدول الامتحانات
كل مرة نتحدث فيها عن تطوير التوجيهي، ينحصر النقاش غالباً في:
متى تبدأ الامتحانات؟
كم مادة؟
كم دورة؟
كم علامة؟
هل الأسئلة أسهل أم أصعب؟
وهذه ليست ثورة تعليمية.
هذه إدارة أفضل للامتحان القديم.
الثورة الحقيقية تبدأ عندما نسأل:
ما الإنسان الذي نريد أن تخرجه المدرسة الأردنية؟
هل نريد حافظاً للكتب؟
أم مفكراً؟
هل نريد طالباً يخشى الخطأ؟
أم إنساناً يتعلم من الخطأ؟
هل نريد موظفاً ينتظر التعليمات؟
أم مواطناً قادراً على المبادرة والابتكار؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من السؤال عن عدد صفحات كتاب الرياضيات.

لا تجعلوا أبناءنا رهائن لعلامة
أخطر ما في التوجيهي ليس ورقة الأسئلة.
أخطر ما فيه هو الثقافة التي صنعناها حوله.
ثقافة تقول للطالب:
إذا نجحت فأنت ناجح في الحياة.
وإذا أخفقت فأنت فاشل.
وهذه كذبة تربوية واجتماعية خطيرة.
فالإنسان لا يُختبر في ساعات.
والعقول لا تُقاس بورقة.
والمستقبل لا يمكن أن يُكتب بالكامل في خانة (المعدل).
كم من طالب لم يكن متفوقاً في المدرسة ثم نجح في الحياة؟
وكم من متفوق دراسياً اكتشف لاحقاً أن الحياة تحتاج إلى مهارات لم يتعلمها في المدرسة؟
إذن، لماذا نصر على وضع جيل كامل داخل القالب نفسه؟

أيها المسؤولون.. لا تخافوا من التغيير
إذا كانت الدولة جادة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وإذا كانت جادة في مواجهة البطالة، وإذا كانت جادة في إعداد جيل قادر على التعامل مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فعليها أن تبدأ من المدرسة.
ولا يمكن أن نبني إنسان المستقبل بعقلية امتحان الماضي.
نحن بحاجة إلى نظام تعليمي يجعل الامتحان جزءاً من التقييم، لا سيداً على التعليم.
نظام يعطي الطالب فرصاً متعددة.
نظام يقيس المعرفة والمهارة والتفكير.
نظام يكتشف الموهبة بدلاً من دفنها تحت جبل من الحفظ.
نظام لا يجعل أسرة كاملة تعيش عاماً من الرعب بسبب سؤال أو علامتين.

وأخيراً...
التوجيهي ليس المشكلة الوحيدة في التعليم الأردني.
لكنه أصبح رمزاً لمشكلة أكبر:
أننا ما زلنا نحاول إعداد أبناء المستقبل بأدوات الماضي.
نحن لا نحتاج إلى تجميل التوجيهي.
ولا إلى إعادة ترتيب كراسيه.
ولا إلى تغيير أسماء دوراته.
نحتاج إلى إعادة التفكير في فلسفته من الأساس.
فالطالب الأردني ليس آلة لحفظ المعلومات، وليس رقماً في كشف علامات، وليس مشروع معدل جامعي.
إنه إنسان له عقل وموهبة وشخصية وطموح.
وإذا كنا نريد دولة حديثة، فعلينا أن نبدأ من السؤال الذي تهربنا منه طويلاً:
هل نريد تعليم أبنائنا لكي ينجحوا في الامتحان، أم نريد امتحاناً وتعليماً يساعدانهم على النجاح في الحياة؟
الفرق بين السؤالين...
هو الفرق بين (تعليم يصنع المستقبل، وتعليم يكرر الماضي).