عرار… شاعرٌ اختار الناس وانحاز إلى الإنسان
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
حين قال مصطفى وهبي التل، الذي عرفه الأردنيون باسم عرار: «إنَّ الصعاليكَ إخواني»، لم يكن يكتب بيتًا من الشعر وحسب، بل كان يعلن موقفًا من الحياة والناس والمجتمع.
كان عرار شاعرًا مختلفًا؛ لم يبحث عن المجد في القصور، ولم يجعل الشعر وسيلةً للتقرّب من أصحاب النفوذ، بل وجد نفسه أقرب إلى البسطاء والمهمشين والفقراء، وإلى أولئك الذين لا يملكون من الدنيا إلا كرامتهم.
وهنا تكمن عظمة عرار.
فهو لم يكن شاعرًا يكتب عن الناس من بعيد، وإنما كان واحدًا منهم؛ عاش أفراحهم وأحزانهم، وعرف تفاصيل حياتهم، وانحاز إليهم بصدقٍ لا يعرف المجاملة.
كان جريئًا في زمنٍ لم تكن فيه الجرأة سهلة، وصريحًا حين كان الصمت أكثر أمانًا، ومتمردًا على كثير من القيود الاجتماعية والسياسية التي رأى أنها تنتقص من حرية الإنسان وكرامته.
ولذلك بقي عرار حيًا في الذاكرة الأردنية.
فالقصيدة عنده لم تكن زخرفةً لغوية، وإنما كانت موقفًا، وكانت الكلمة عنده مسؤولية، والشعر مساحةً للدفاع عن الإنسان والكرامة والحرية.
وعرار الذي أحبَّ الأردن لم يحبه بوصفه جغرافيا فقط، بل أحبه في ناسه وقراه ووديانه وحقوله، وفي لهجته الشعبية وذاكرته الاجتماعية. ولهذا بقيت قصائده قريبةً من وجدان الأردنيين؛ لأنها خرجت من البيئة الأردنية وعادت إليها.
وإذا كان الشعراء يُقاسون بما تركوه من قصائد، فإن بعضهم يُقاس أيضًا بما تركوه من مواقف.
وعرار من أولئك الذين تركوا الأمرين معًا.
ترك شعرًا لا يزال يُقرأ، وموقفًا لا يزال يُستعاد، وشخصيةً أدبية أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية الأردنية.
ولعل أجمل ما في عرار أنه لم يحاول أن يكون شاعرًا فوق الناس، بل شاعرًا بين الناس.
كان يعرف أن قيمة الإنسان ليست في ثروته ولا في منصبه ولا في مكانته الاجتماعية، وإنما في إنسانيته وكرامته.
ولهذا جاءت عبارته «إنَّ الصعاليكَ إخواني» لتختصر جانبًا كبيرًا من فلسفته في الحياة؛ فهو يرى الإنسان حيث لا يراه الآخرون، ويمنح البسطاء مساحةً في الشعر والتاريخ والذاكرة.
رحم الله عرار، الشاعر الذي لم يخشَ أن يقول الحقيقة بطريقته، ولم يتخلَّ عن الإنسان الذي أحبّه، ولم يسمح للشعر أن يتحول إلى مجرد كلمات جميلة بلا موقف.
ويبقى عرار واحدًا من أولئك الذين لا يموتون برحيلهم؛ لأن الشاعر الحقيقي لا يسكن في قبره، بل يسكن في ذاكرة وطنه.
وإذا كان لنا أن نقف أمام عرار اليوم، فإننا لا نقف أمام شاعر من الماضي فحسب، بل أمام تجربة إنسانية وأدبية تقول لنا إن الكلمة الصادقة تبقى، وإن الانحياز للإنسان لا يشيخ، وإن الأوطان تحفظ أبناءها الذين أحبوا الناس بصدق.
إنَّ الصعاليكَ إخواني…
وما أجمل أن يكون الشاعر أخًا للناس، قبل أن يكون شاعرًا لهم.
رحم الله عرار، الشاعر والإنسان.
ورحم الله وصفي التل، الشهيد البطل، الذي بقيت ذكراه حيّةً في وجدان الأردنيين، ولم يمحُه التاريخ؛ لأن الرجال الذين يتركون أثرًا في وطنهم لا تغيبهم السنوات، ولا تطوي صفحاتهم ذاكرة الزمن.
عرار ووصفي… رجلان من زمنٍ كان للكلمة فيه معنى، وللموقف فيه ثمن، وللوطن فيه رجال
