بقلم : محمد النجار

يوم التخرّج ليس مجرد لحظة تُلتقط فيها الصور وتُرفع فيها القبعات؛ إنه تتويج لسنوات طويلة من التعب والسهر والطموح، وحلمٌ ظلّ يرافق الطالب منذ سنوات الدراسة الأولى. في تلك اللحظة، يعتقد الخريج أن أبواب المستقبل ستُفتح أمامه، وأن الشهادة ستكون جواز عبوره إلى حياة مهنية مستقرة.

لكن ماذا يحدث عندما تنتهي مراسم التخرّج، وتعود الأضواء إلى أماكنها، ويجد الخريج نفسه أمام سؤال بسيط في ظاهره، ثقيل في معناه: ماذا بعد؟

الشهادة وحدها لا تكفي

في عالم يشهد اضطرابات اقتصادية متلاحقة، وتراجعاً في فرص العمل، وارتفاعاً في معدلات البطالة، لم يعد الحصول على الشهادة الجامعية ضمانة للحصول على وظيفة. بل يجد كثير من الخريجين أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً عما رسموه في مخيلتهم خلال سنوات الدراسة.

المشكلة لا تتوقف عند محدودية فرص العمل، فهناك عقبة أخرى تكاد تكون أصعب من الحصول على الوظيفة نفسها: الخبرة.

يُطلب من الخريج أن يمتلك خبرة سابقة حتى يحصل على الوظيفة، لكنه في المقابل لا يستطيع اكتساب الخبرة من دون أن يحصل أولاً على فرصة عمل. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة:
كيف يكتسب الشاب خبرة إذا كانت الوظائف تشترط الخبرة قبل أن تمنحه فرصة اكتسابها؟

قد تبدو هذه العقبة أعلى من السد العالي نفسه، خصوصاً أمام شاب خرج لتوه من الجامعة، يحمل شهادة وطموحاً، لكنه لا يحمل في سيرته المهنية سوى سنوات الدراسة.

من يمنح الخريج فرصته الأولى؟

في ظل هذه المعادلة، قد يلجأ البعض إلى العلاقات والواسطة باعتبارها الطريق الأقصر للحصول على فرصة، بينما يحظى آخرون بفرصهم لأنهم صادفوا صاحب عمل يؤمن بأن الإنسان لا يولد خبيراً، وأن الخبرة تُكتسب بالممارسة والتجربة.

وهنا لا تكمن المشكلة في الخريج وحده، ولا في صاحب العمل وحده، ولا في الجامعة وحدها؛ وإنما في منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة.

فالجامعة مطالبة بأن تقترب أكثر من سوق العمل، وأصحاب المنشآت مطالبون بإيجاد مساحات حقيقية للخريجين الجدد، والحكومة مطالبة بوضع سياسات تشجع على التشغيل والتدريب، فيما يتحمل الطالب نفسه مسؤولية تطوير مهاراته وعدم الاكتفاء بما حصل عليه داخل قاعات الدراسة.

وربما تكون برامج التدريب المدفوعة، وفرص العمل الجزئي، والتدريب التعاوني، وحاضنات الأعمال، ودعم المشاريع الصغيرة، وربط الجامعات بالقطاع الخاص، بعضاً من الحلول التي يمكن أن تكسر هذه الحلقة.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل نحن مستعدون فعلاً لإعادة تعريف العلاقة بين الشهادة والخبرة وفرصة العمل؟

من يفتح الباب الأول؟

لا يحتاج الخريج دائماً إلى وظيفة أحلامه منذ اليوم الأول، بقدر ما يحتاج إلى فرصته الأولى؛ فرصة تثبت أنه قادر على التعلم والعمل وتحمل المسؤولية.

فكم من خريج لم تمنحه سوق العمل فرصة، وكم من صاحب عمل اكتشف بعد سنوات أن أفضل موظفيه بدأوا من دون خبرة؟ وكم من طموح انطفأ فقط لأن أحداً لم يفتح له الباب في البداية؟

ربما لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال، وربما لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية المشكلة. لكن المؤكد أن استمرار مطالبة الخريج بالخبرة قبل منحه فرصة اكتسابها لن يصنع سوق عمل أكثر كفاءة، كما أن انتظار الدولة أو الجامعات أو القطاع الخاص وحده لحل المشكلة لن يكون كافياً.

فإذا كان التخرّج نهاية مرحلة وبداية أخرى، فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا يحمل الخريج من شهادة؟، وإنما: من سيمنحه فرصة تحويل هذه الشهادة إلى خبرة، والخبرة إلى مستقبل؟

وهنا تبقى الإجابة مفتوحة أمام الجامعات، والحكومة، وأصحاب العمل،  والخريجين أنفسهم... وربما أمام المجتمع كله.