بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد
يُعد نوري السعيد من أكثر الشخصيات السياسية العربية إثارةً للجدل في تاريخ القرن العشرين. فقد ارتبط اسمه، في الذاكرة السياسية العربية، بعلاقة وثيقة مع بريطانيا، وبحلف بغداد، وبالصراع مع جمال عبد الناصر، حتى أصبح لدى كثيرين رمزًا للسياسة الموالية للغرب. وفي المقابل، فإن العودة إلى مسيرته السياسية منذ بداياتها تكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ فهو لم يبدأ حياته السياسية باعتباره رجلًا بريطانيًا في العراق، بل كان من جيل الضباط العرب الذين انخرطوا في الحركة القومية العربية وارتبطوا بالمشروع الهاشمي الذي خرج من رحم الثورة العربية الكبرى.
ومن هنا يبرز السؤال: هل كان نوري السعيد فعلًا خائنًا للقضية العربية، أم كان قوميًا عربيًا اختار طريقًا سياسيًا مختلفًا لتحقيق أهدافه؟
من ضابط عثماني إلى قومي عربي
وُلد نوري السعيد في بغداد عام 1888، وتلقى تعليمه العسكري في المؤسسة العثمانية، شأنه شأن عدد كبير من الضباط العرب في ذلك الزمن. إلا أن تجربته السياسية والعسكرية دفعته تدريجيًا نحو الحركة القومية العربية، وانتهى به المطاف إلى الالتحاق بالثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، والعمل إلى جانب الأمير فيصل.
وهذه المرحلة أساسية في فهم شخصيته السياسية.
فنوري السعيد لم يظهر في التاريخ كموظف استعماري فرضته بريطانيا على العراق، بل جاء من جيل عربي كان يسعى إلى التحرر من الحكم العثماني وإقامة كيان عربي مستقل.
غير أن النتائج التي أعقبت الحرب العالمية الأولى جاءت مخالفة لآمال ذلك الجيل؛ إذ لم تقم الدولة العربية الكبرى التي كان يتطلع إليها الشريف الحسين وأبناؤه، وقُسم المشرق العربي بين النفوذين البريطاني والفرنسي، وأصبحت سوريا تحت الانتداب الفرنسي والعراق والأردن وفلسطين تحت النفوذ البريطاني.
هنا بدأ التحول في تفكير نوري السعيد.
فبدل الاستمرار في السعي الفوري إلى وحدة عربية شاملة، أصبح يرى أن الأولوية هي بناء الدول العربية الجديدة وتقويتها أولًا، ثم الانتقال منها إلى أشكال أوسع من التعاون أو الاتحاد العربي.
بناء العراق أولًا
عندما أصبح فيصل بن الحسين ملكًا على العراق عام 1921، كان نوري السعيد من رجال الدولة الذين لعبوا دورًا مهمًا في بناء النظام العراقي الجديد.
ومنذ ذلك الحين، أصبح تفكيره القومي مرتبطًا بفكرة أن العراق القوي يمكن أن يشكل قاعدة رئيسية لمشروع عربي أوسع.
ولذلك لم يكن يرى تعارضًا بين الوطنية العراقية والقومية العربية.
كان منطقه يقوم على أن العراق يجب أن:
يبني دولته، ويقوي مؤسساته، وينظم جيشه، وينمي اقتصاده، ثم يتحول إلى قوة عربية قادرة على التأثير في محيطها.
وهذا يفسر اهتمامه المتواصل بسوريا وفلسطين والأردن، وطرحه لاحقًا لمشاريع مختلفة للاتحاد العربي، ومنها مشروع الهلال الخصيب.
إذن، لم يتخلَّ نوري السعيد عن فكرة الوحدة العربية، لكنه أعاد تعريف الطريق المؤدي إليها.
التحالف مع بريطانيا: واقعية أم تبعية؟
هنا نصل إلى أكثر جوانب تجربته إثارة للجدل.
كان نوري السعيد يعتقد أن بريطانيا، باعتبارها القوة الدولية الأكثر نفوذًا في المنطقة في ذلك الوقت، لا يمكن تجاوزها بسهولة. وكان يرى أن العراق، وهو دولة حديثة العهد وضعيفة عسكريًا واقتصاديًا، يستطيع أن يحقق مكاسب من خلال التفاوض والتعاون معها بدل الدخول في مواجهة مباشرة معها.
كانت فلسفته تقوم تقريبًا على الفكرة التالية:
نستخدم العلاقة مع بريطانيا للحصول على الأمن، والسلاح، والاستثمار، والدعم الدولي، ونبني من خلالها دولة عراقية أقوى.
ومن وجهة نظره، لم يكن التعاون مع بريطانيا نقيضًا للقومية العربية، بل وسيلة لتحقيق القوة.
لكن هذه السياسة حملت تناقضًا كبيرًا.
فالعلاقة التي بدأت باعتبارها أداة سياسية أصبحت، مع مرور الزمن، تُفهم لدى قطاعات واسعة من العراقيين والعرب باعتبارها تبعية.
وهنا بدأ الفارق بين ما كان يراه نوري السعيد في نفسه وما كان يراه الناس فيه.
هو كان يرى نفسه رجل دولة واقعيًا يوظف العلاقات الدولية لصالح العراق.
أما خصومه فكانوا يرونه رجلًا ربط استقلال العراق بالإرادة البريطانية.
الاستقلال العراقي والنظام الدولي
كان نوري السعيد من أبرز رجال الدولة الذين شاركوا في التفاوض على العلاقة بين العراق وبريطانيا خلال مرحلة تأسيس الدولة.
وقد ساهمت المعاهدات البريطانية-العراقية في انتقال العراق تدريجيًا من الانتداب إلى الاستقلال الرسمي ودخوله عصبة الأمم عام 1932.
لكن هذا الاستقلال بقي مقيدًا بنفوذ بريطاني كبير، خصوصًا في المجالات العسكرية والاستراتيجية.
وهنا تظهر مرة أخرى مشكلة منهجه السياسي.
فمن جهة، كان العراق قد أصبح دولة مستقلة معترفًا بها دوليًا.
ومن جهة أخرى، ظل الوجود والنفوذ البريطانيان قويين إلى درجة سمحت لخصوم نوري السعيد بالقول إن الاستقلال كان ناقصًا.
وبالتالي فإن السؤال لم يعد فقط:
هل العراق مستقل قانونيًا؟
بل أصبح:
هل يشعر العراقي بأن القرار الوطني مستقل فعلًا؟
وهذه كانت نقطة ضعف أساسية في النظام الملكي العراقي.
بقي قوميًّا عربيًّا
رغم علاقته ببريطانيا، لم يتخلَّ نوري السعيد عن اهتمامه بالوحدة العربية.
فقد طرح مشاريع لاتحاد دول الهلال الخصيب، وكان يرى أن العراق وشرق الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين تمثل منطقة عربية مترابطة تاريخيًا وجغرافيًا.
ولم يكن هذا التفكير عرضيًا.
كان جزءًا من المدرسة الهاشمية التي ترى أن الدول التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى هي أجزاء من فضاء عربي واحد، وأن من الممكن إعادة جمع بعضها في إطار اتحادي أو فيدرالي.
وهذا مهم في تقييمه.
فالرجل الذي يسعى إلى توسيع نطاق التعاون والوحدة بين الدول العربية لا يمكن بسهولة اختزاله في وصف "عدو القومية العربية".
لكن مشكلته أنه كان يريد هذه الوحدة من خلال الحكومات والأنظمة القائمة، وليس من خلال الثورات الشعبية.
فلسطين في تفكير نوري السعيد
كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في فكر نوري السعيد السياسي.
وقد تعامل معها باعتبارها قضية عربية وليست فلسطينية فقط، وسعى في عدة مراحل إلى إيجاد حلول مرتبطة بمشاريع أوسع للاتحاد العربي.
لكن أسلوبه كان دبلوماسيًا وتفاوضيًا أكثر منه جماهيريًا وثوريًا.
وهذا جعله يختلف عن الجيل الذي ظهر بعد حرب 1948، والذي رأى في قضية فلسطين دليلًا على فشل النظام العربي القديم بكامله.
بالنسبة إلى نوري السعيد، كانت المشكلة تحتاج إلى إدارة سياسية وتفاوض بين الدول الكبرى والدول العربية.
أما بالنسبة إلى الجيل القومي الثوري الذي جاء بعده، فكانت فلسطين دليلًا على أن المنظومة السياسية العربية نفسها تحتاج إلى تغيير.
الاقتصاد وبناء الدولة
من أكثر الجوانب التي تستحق إعادة التقييم في تجربة نوري السعيد برنامجه الاقتصادي في الخمسينيات.
فمع ارتفاع إيرادات النفط، لم تتجه الدولة العراقية إلى إنفاق معظم هذه الأموال على المصروفات الجارية والرواتب، بل تم تخصيص نسبة كبيرة منها لمشاريع التنمية من خلال مجلس الإعمار.
وكان نحو 70% من الإيرادات النفطية المباشرة يُوجه إلى التنمية والاستثمار.
وهذا قرار استراتيجي مهم.
الفكرة كانت واضحة:
تحويل الثروة النفطية المؤقتة إلى أصول دائمة.
أي:
نفط = سدود وطرق وري وكهرباء ومشاريع إنتاجية = اقتصاد أقوى في المستقبل.
وقد شملت برامج الإعمار:
• السدود والخزانات،
• السيطرة على الفيضانات،
• مشاريع الري،
• استصلاح الأراضي،
• الطرق والجسور،
• الكهرباء،
• الإسكان،
• الخدمات العامة،
• والمشاريع الصناعية.
ومن أبرز ما يميز تلك المرحلة أن العراق بدأ ينفذ مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق مقارنة بحجمه السكاني وإمكاناته المؤسسية آنذاك.
المشكلة لم تكن غياب التنمية بل بطء وصولها إلى الناس
هنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات عهد نوري السعيد.
الدولة كانت تستثمر مبالغ ضخمة في مشاريع طويلة الأجل.
لكن المواطن العادي لم يكن يشعر دائمًا بأن هذا الاستثمار قد غيّر حياته بصورة مباشرة.
فبناء سد أو مشروع ري ضخم يحتاج إلى سنوات حتى ينعكس على الإنتاج الزراعي والدخل وفرص العمل.
أما المواطن الفقير في بغداد أو الفلاح محدود الدخل، فكان يريد أن يرى تحسنًا مباشرًا في مستوى معيشته.
وهنا يمكن القول إن النظام الملكي نجح بدرجة كبيرة في بناء الأصول، لكنه كان أقل نجاحًا في توزيع ثمار التنمية بسرعة وعدالة.
وهذا الفارق بين "المشروع" و"النتيجة الاجتماعية" مهم جدًا.
فالسد مشروع.
أما زيادة دخل الفلاح فهي نتيجة.
الطريق مشروع.
أما خلق فرص العمل وتحسين التجارة فهي نتيجة.
وكان على الحكومة أن تربط الأمرين بصورة أسرع.
ضعف الإصلاح الزراعي
كان من أهم نقاط الضعف في النظام الملكي استمرار سيطرة كبار ملاك الأراضي على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وعلى جزء مهم من الحياة السياسية.
وهنا وقع تناقض كبير.
الدولة تستثمر الأموال العامة في الري واستصلاح الأراضي، لكن جزءًا مهمًا من ارتفاع قيمة الأراضي والإنتاجية كان يذهب إلى كبار الملاك.
وهذا قلل من الأثر الاجتماعي والسياسي للتنمية.
يمكن القول إن نوري السعيد فهم أهمية:
الاستثمار والبنية التحتية.
لكنه لم يذهب بعيدًا بما يكفي في:
إعادة توزيع الأرض والثروة والفرص.
وهذا ما حاول عبد الكريم قاسم معالجته بعد ثورة 1958 من خلال الإصلاح الزراعي.
خلافه مع جمال عبد الناصر: رؤيتان للقومية العربية
من الضروري هنا التوقف باختصار عند خلاف نوري السعيد مع جمال عبد الناصر، لأن هذا الخلاف ساهم بصورة كبيرة في تشكيل صورته التاريخية.
لم يكن الصراع بينهما ببساطة صراعًا بين قومي عربي وخائن للقومية العربية.
بل كان في جوهره صراعًا بين رؤيتين مختلفتين للعمل القومي العربي.
كان نوري السعيد ينتمي إلى المدرسة الهاشمية التي ترى أن بناء الدول العربية القوية والتعاون بين الحكومات القائمة يمكن أن يقود تدريجيًا إلى اتحاد عربي.
أما عبد الناصر فكان ينتمي إلى جيل ثوري جديد يرى أن النفوذ الغربي والأنظمة العربية التقليدية نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة، وأن التحرر والوحدة يحتاجان إلى تعبئة الجماهير وتغيير النظام السياسي.
نوري السعيد كان يقول عمليًا:
نبني الدولة أولًا، ونستفيد من التحالفات الدولية، ثم نتجه إلى الوحدة.
أما عبد الناصر فكان يقول:
نتحرر أولًا من النفوذ الأجنبي، ونغير الواقع السياسي، ثم نبني الوحدة العربية.
وتحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة مع قيام حلف بغداد عام 1955.
كان نوري يرى الحلف وسيلة لحماية العراق من التمدد السوفيتي والحصول على الدعم العسكري والاقتصادي.
أما عبد الناصر فكان يراه أداة لاستمرار النفوذ البريطاني والغربي في المنطقة.
ثم جاءت أزمة السويس سنة 1956 لتمنح عبد الناصر تفوقًا سياسيًا هائلًا.
فقد وقف عبد الناصر في مواجهة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، بينما بقي اسم نوري السعيد مرتبطًا بتحالف استراتيجي مع بريطانيا.
وبغض النظر عن التفاصيل المعقدة، أصبحت الصورة في الشارع العربي بسيطة:
عبد الناصر يقاوم بريطانيا، ونوري السعيد يتحالف معها.
وهكذا خسر نوري معركة الرأي العام.
لكن من المهم ألا ننسى أن الرجلين كانا يؤمنان بشكل من أشكال الوحدة العربية، وإن اختلفا جذريًا في الطريق إليها.
ودليل ذلك أن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958 قابله سريعًا قيام الاتحاد العربي بين العراق والأردن.
أي أن الخلاف لم يكن بين الوحدة ورفض الوحدة، بل بين:
وحدة يقودها عبد الناصر من القاهرة
و
اتحاد عربي تدريجي تقوده الأنظمة الهاشمية من بغداد وعمّان.
حلف بغداد والخطأ السياسي الأكبر
ربما كان حلف بغداد أهم قرار أدى إلى إضعاف نوري السعيد عربيًا.
فمن ناحية الحسابات الاستراتيجية، كان لديه ما يبرر مخاوفه من الاتحاد السوفيتي ومن ضعف العراق العسكري.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بحساب المخاطر العسكرية.
هناك أيضًا الشرعية الوطنية والشعور الشعبي.
وفي زمن كانت فيه الشعوب العربية تناضل للتخلص من الاستعمار، بدا التحالف مع بريطانيا وكأنه يسير عكس اتجاه التاريخ.
كان نوري يعتقد أن الناس سيحكمون على النتائج:
السلاح، التنمية، الأمن، الاستثمار.
لكن الناس حكموا أيضًا على الرمز:
من هو حليفك؟
وهنا تفوق عبد الناصر سياسيًا.
ثورة 1958 وما ورثته من النظام الملكي
عندما سقط النظام الملكي في 14 يوليو 1958، لم يبدأ النظام الجديد من فراغ.
لقد ورث:
• مشاريع سدود وري قيد التنفيذ،
• مشاريع طرق وبنية تحتية،
• دراسات هندسية،
• عقودًا قائمة،
• مؤسسات تخطيط،
• موارد نفطية متزايدة،
• وكادرًا إداريًا وفنيًا بدأ يكتسب خبرة في إدارة المشاريع الكبرى.
وهذه نقطة مهمة في قراءة التاريخ الاقتصادي للعراق.
فليس كل مشروع افتُتح بعد 1958 كان قد بدأ بعد الثورة.
بعض المشاريع التي اكتملت في العهد الجمهوري كانت قد صُممت ومُولت وبدأ تنفيذها في العهد الملكي.
لذلك يجب التمييز بين:
من خطط؟
من موّل؟
من بدأ التنفيذ؟
ومن أكمل المشروع؟
وهذا أكثر عدلًا من نسب المشاريع إلى الحكومة التي افتتحتها فقط.
نوري السعيد وعبد الكريم قاسم: اختلاف اقتصادي واضح
بعد الثورة، تغيرت الفلسفة الاقتصادية.
كان نوري السعيد يميل إلى:
الاستثمار طويل الأجل، البنية التحتية، الزراعة، القطاع الخاص، والانضباط في استخدام إيرادات النفط.
أما عبد الكريم قاسم، فركز أكثر على:
الإصلاح الزراعي، الإسكان، العدالة الاجتماعية، إعادة التوزيع، وزيادة دور الدولة في الاقتصاد.
وهنا تظهر مفارقة مهمة.
نوري حاول أن يبني رأس المال الوطني.
قاسم حاول أن يوزع فوائد الدولة على الناس بصورة أسرع.
وربما كان العراق يحتاج إلى الاثنين معًا.
فالتنمية من دون عدالة اجتماعية تفقد الشرعية.
لكن إعادة التوزيع من دون بناء قاعدة إنتاجية قوية قد تؤدي لاحقًا إلى اقتصاد يعتمد أكثر فأكثر على النفط والدولة.
هل كان نوري السعيد خائنًا؟
هنا يجب أن نكون حذرين.
فالخيانة ليست اختلافًا في السياسة.
الخيانة تعني أن يتعمد الإنسان خدمة دولة أجنبية على حساب وطنه.
أما أن يختار سياسي تحالفًا دوليًا نختلف معه بشأنه، أو يخطئ في تقدير نتائجه، فهذا لا يكفي وحده لإثبات الخيانة.
يمكن انتقاد نوري السعيد بشدة.
يمكن القول إنه:
• بالغ في الثقة ببريطانيا،
• أخطأ في تقدير المزاج الشعبي العربي،
• ربط العراق بحلف أصبح عبئًا سياسيًا،
• لم ينفذ إصلاحًا زراعيًا كافيًا،
• لم يحقق توزيعًا اجتماعيًا عادلًا بالسرعة المطلوبة،
• ولم يدرك قوة الخطاب القومي الجماهيري الذي مثله عبد الناصر.
لكن كل ذلك يدخل في باب تقييم السياسة والحكم على النجاح والفشل.
ولا يثبت بالضرورة أنه كان خائنًا.
الحكم التاريخي الأكثر توازنًا
في رأيي، لا يمكن فهم نوري السعيد إذا وضعناه فقط بين كلمتين: "خائن" أو "بطل".
هو شخصية أكثر تعقيدًا من ذلك.
كان قوميًا عربيًا من المدرسة الهاشمية، ورجل دولة عراقيًا، ومؤمنًا بأن القوة الاقتصادية والمؤسسات والتحالفات الدولية ضرورية لبناء الدولة.
لكن مشكلته الكبرى كانت أنه لم يدرك بما يكفي أن التحالف الخارجي، مهما كانت مبرراته الاستراتيجية، يمكن أن يدمر شرعية صاحبه إذا شعر الناس أن هذا التحالف يمس استقلال القرار الوطني.
وهنا كانت مأساة نوري السعيد.
لقد أراد استخدام بريطانيا لخدمة العراق.
لكن في نهاية حياته، أصبح كثير من العراقيين والعرب يرون أن بريطانيا هي التي تستخدم العراق.
وقد يكون هذا الحكم الشعبي مبالغًا فيه، لكنه أصبح حقيقة سياسية لم يعد نوري قادرًا على تغييرها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن ننسى أن النظام الذي سقط في 1958 كان قد بدأ بالفعل مشروعًا واسعًا لتحديث العراق اقتصاديًا وبناء بنيته التحتية وتحويل عائدات النفط إلى استثمارات طويلة الأجل.
ومن هنا فإن التقييم العادل لنوري السعيد يجب أن يميز بين فشل سياسته السياسية في الحفاظ على الشرعية وبين إنجازاته في بناء مؤسسات الدولة والتنمية الاقتصادية.
الخلاصة
ربما يكون الوصف الأقرب إلى الحقيقة أن نوري السعيد كان:
قوميًا عربيًا من جيل مختلف، ورجل دولة عراقيًا، وواقعيًا سياسيًا بالغ في الاعتماد على بريطانيا حتى فقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته القومية.
أما خلافه مع جمال عبد الناصر فلم يكن مجرد صراع بين الوطنية والعمالة، بل كان صراعًا بين مدرستين:
مدرسة ترى أن القوة العربية تُبنى من خلال الدولة والمؤسسات والتحالفات والتنمية التدريجية،
و
مدرسة ترى أن البداية يجب أن تكون بالتحرر من النفوذ الأجنبي، وتعبئة الجماهير، وإحداث تحول سياسي واجتماعي شامل.
انتصر عبد الناصر في معركة الشارع العربي.
وسقط نوري السعيد مع النظام الملكي في يوليو 1958.
لكن سقوط السياسي لا يعني بالضرورة سقوط كل أفكاره.
فبعد مرور عقود، يبقى السؤال الذي واجهه نوري السعيد حاضرًا في العالم العربي:
كيف يمكن للدولة أن تجمع بين الاستقلال السياسي والقوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟
وهنا ربما تكون أهم دروس تجربته:
لا تكفي التنمية الاقتصادية إذا شعر المواطن أن القرار الوطني غير مستقل، كما أن الاستقلال السياسي والشعارات القومية لا تكفي إذا لم تُبنَ دولة قوية واقتصاد منتج ومؤسسات قادرة على الاستمرار.
