د. حازم قشوع
إذا ما أُسقطت معادلة حصار إيران على المناخ السياسي الأميركي والاستحقاق الانتخابي القادم، فإن واشنطن ستكون أمام معادلة مختلفة؛ فنجاح سياسة الضغط لا يُقاس فقط بقدرتها على إضعاف إيران، وإنما أيضاً بقدرتها على منع انتقال كلفة الصراع إلى حلفائها وشركائها في المنطقة.
وهنا يأتي الأردن في قلب هذه المعادلة، باعتباره دولة مستقرة في منطقة مضطربة، وجزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي، وامتداداً جغرافياً وسياسياً لممرات التجارة والطاقة بين الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. ولذلك فإن دعم الاقتصاد الأردني لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مساعدة مالية، بل باعتباره استثماراً في استقرار منظومة الأمن الإقليمي وهذا بدى واضح حيث باب العقبة .
فالأردن، الذي يتحمل تداعيات الأزمات المحيطة به، يحتاج في هذه المرحلة إلى مظلة اقتصادية وسياسية أكثر قوة، خصوصاً مع احتمال انتقال الصراع من ساحاته المباشرة إلى دول الجوار والممرات التجارية. كما أن أهمية ميناء العقبة تتزايد في أي ترتيبات مستقبلية لإعادة توزيع حركة التجارة والطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق في الخليج والبحر الأحمر وهنا تكمن اهميته الاستراتيجية .
وهنا تبرز فكرة «حرب الشرايين»؛ فإذا كان الضغط على
إيران يستهدف خنق شريانها الاقتصادي عبر النفط والموانئ والممرات البحرية، فإن الخطر المقابل يتمثل في محاولة نقل الأزمة إلى شرايين المنطقة، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن باب المندب إلى العقبة، بما يهدد حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي المقابل، فإن على الولايات المتحدة أن تستخدم نفوذها لضبط الاندفاع الإسرائيلي في سوريا ولبنان، لأن استمرار فتح جبهات جديدة يعني توسيع دائرة الأزمة وتحويلها من صراع محدد إلى حالة إقليمية مفتوحة. كما أن إبقاء هذه الساحات في حالة توتر دائم يضاعف احتمالات انتقال الصراع إلى دول الجوار، ويجعل الأردن أكثر عرضة لتداعيات أمنية واقتصادية لا يصنعها.
كما أن اللحظة السياسية تفرض على واشنطن أن تدفع إسرائيل إلى الرضوخ لمخرجات معادلة السلام في غزة، بدلاً من إبقاء الحرب مفتوحة على شروط متغيرة. فاستمرار الحرب يعني استمرار استنزاف المنطقة، بينما يمثل وقفها وإعادة إعمار غزة وفتح المسار السياسي مدخلاً ضرورياً لإعادة ترتيب الإقليم.
وفي هذا السياق، فإن دعم السلطة الفلسطينية وبرنامجها للإصلاح السياسي والمؤسسي يصبح جزءاً من الحل، وليس تفصيلاً تابعاً له؛ لأن أي ترتيبات جديدة في غزة أو الضفة تحتاج إلى عنوان فلسطيني شرعي وقابل للحياة يستطيع إدارة المرحلة الانتقالية وربط الإعمار بالمسار السياسي، وصولاً إلى أفق الدولة الفلسطينية التى تعلم تل ابيب كما واشنطن انها قادمه .
وهنا تحديداً يظهر الدور الأردني، ودور الملك عبدالله رائد حركه الاصلاح وتصحيح المسار فى المنطقه المؤيد من تيار واسع من بيت القرار العالمي ، باعتبارهما أحد مفاتيح إعادة ضبط نظام الضوابط والموازين الأمنية والسياسية في المنطقة. فالملك عبدالله الثاني لا يتحرك فقط من موقع الجوار الجغرافي، وإنما من موقع يمتلك خبرة سياسية طويلة في التعامل مع ملفات فلسطين وسوريا ولبنان والعراق والخليج، فضلاً عن موقع الأردن في المنظومة الأمنية الدولية.
وتأتي زيارة الملك إلى الصين في هذا التوقيت لتضيف بعداً آخر إلى هذه المعادلة. فالزيارة تحمل في جانبها الاقتصادي انفتاحاً على الشركات والاستثمار والتكنولوجيا، وفي جانبها السياسي رسالة بأن الأردن يستطيع توسيع شراكاته الدولية من دون التخلي عن تحالفاته القائمة كونه يشكل نموذج متقدم لها .
ومن هنا فإن الصين لا تأتي في المشهد الأردني بديلاً عن أميركا، وإنما كمساحة إضافية للحركة السياسية والاقتصادية. وهذا يمنح الأردن قدرة أكبر على تنويع خياراته، ويمنح واشنطن في الوقت نفسه حافزاً للحفاظ على الأردن قوياً ومستقراً وقادراً على القيام بدوره من على ذلك يمكن ان
يشكل الاردن نقطه الالتقاء والوصل ومركزا لبناء جمله سياسيه تشكل ارضيه للسلم الاقليمي ومركزا للحوار الدولي .
إن الولايات المتحدة، وهي تدخل مرحلة انتخابية حساسة، تحتاج إلى إغلاق ملفات المنطقة لا فتح ملفات جديدة. ولذلك فإن المصلحة الأميركية تقتضي أن تعمل على تثبيت الأردن اقتصادياً، ووقف العبث الإسرائيلي في سوريا ولبنان، ودفع إسرائيل نحو الالتزام بمخرجات السلام في غزة، ودعم السلطة الفلسطينية وإصلاحها، وإعطاء الملك عبدالله مساحة سياسية أوسع للتحرك وإعادة بناء معادلة الضوابط والموازين الإقليمية.
فإذا نجحت واشنطن في ذلك، فإن ما بعد الاستحقاق الانتخابي الأميركي يمكن أن يشهد ولادة حالة سياسية إقليمية جديدة حالة تنتقل من إدارة الأزمات إلى هندسة التوازنات، ومن سياسة الاحتواء إلى سياسة بناء السلام، ومن محاولات تصدير الأزمات إلى إعادة فتح شرايين التجارة والطاقة والأمن.
وهنا تكمن الفرصة الأردنية أن يتحول الأردن من دولة تتلقى آثار الأزمات المحيطة إلى دولة فاعلة في هندسة مرحلة ما بعد الأزمة، مستفيداً من موقعه، ومن علاقاته الدولية، ومن الدور الملكي الذي يستطيع أن يجمع بين واشنطن وبكين، وبين الأمن والسلام، وبين الجغرافيا والسياسة.
فالأردن في حرب الشرايين لا يمثل هامشاً جغرافياً للصراع،
بل يمثل إحدى نقاط التوازن التي تمنع انتقاله من حرب على الدول إلى حرب على الممرات، ومن استهداف الجغرافيا إلى استهداف الاقتصاد العالمي...فما بعد نوفمبر قد لا يكون مجرد محطة انتخابية أميركية، بل يمكن أن يكون نقطة ولادة لحالة إقليمية جديدة؛ إذا أدركت واشنطن أن حماية مصالحها تبدأ من حماية استقرار حلفائها، وأن استقرار المنطقة لا يصنعه الحصار وحده، وإنما تصنعه أيضاً معادلة السلام والتوازن والتنمية وهو ما يقف عليه الاردن والعالم يدخل فى حرب الشرايين .
