يشهد المجتمع الأردني في السنوات الأخيرة تحولاً اجتماعياً وثقافياً لافتاً في مظاهر التعبير عن الفرح، حيث تسللت سلوكيات استهلاكية جديدة تحولت تدريجياً من مجرد مظاهر فردية إلى ما يشبه "الالتزام الاجتماعي" القاسي. فبعد أن كانت مظاهر الابتهاج بالنجاح في الثانوية العامة أو التخرج الجامعي تتسم بالبساطة والعفوية وتقتصر على جمعة الأهل والأحبة، أصبحت اليوم ميداناً مفتوحاً للتنافس والمباهاة واستعراض القدرات المالية. لقد غدت هذه الممارسات أرباكاً حقيقياً يثقل كاهل البيوت الأردنية، ويدفع بالعائلات نحو نفقات باهظة ومستنزفة لأتفه المناسبات وأقلها شأناً.
إن الحق في الفرح أمر لا يسلب، والابتهاج بإنجازات الأبناء في مختلف مراحلهم الدراسية والعملية هو حق مشروع ومستحق لكل عائلة تسعى لرؤية ثمار جهدها. غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الفرح ذاته، بل في هذا "الإنفاق الاستعراضي" الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق؛ إذ أضحت ولائم الذبائح تُقام بالعشرات، وتُستأجر القاعات والصواوين المكلفة، وتستدعى الفرق الفنية لإحياء الحفلات بأثمان باهظة، وتوزع أطنان الحلويات والكنافة في مظاهر تقارب وتفوق أحياناً ما يُقام في حفل زفاف كامل. وما يزيد الأمر غرابة ومفارقة هو أن هذا التكلف العالي لم يعد مرتبطاً بحجم الإنجاز أو تميزه الأكاديمي، فقد تجد احتفالاً بذبح عشرات الرؤوس لنجاح بمعدل متوسط أو تقدير مقبول، مما يكشف أن الهدف الأساسي لم يعد التعبير عن الامتنان والابتهاج بقدر ما هو استعراض اجتماعي يُمارس أمام الآخرين.
ولا يقتصر الأثر السلبي لهذه الظاهرة على الضرر المالي المباشر للأسرة المنفذة، بل يمتد ليمارس ضغطاً نفسياً واجتماعياً حاداً على المحيطين بها. فالأبناء يتأثرون بطبيعتهم بما يرونه في بيوت الأقارب والجيران، مما يولد مطالب حثيثة وضغوطات داخل المنزل الأردني ترتكز على مقولة "لست أقل من غيري". وفي ظل هذه التنشئة والتنافسية غير المحمودة، يجد رب الأسرة نفسه محاصراً بين التوقعات الاجتماعية ورغبة خاطئة في إرضاء أهله أو تجنب الشعور بالحرج، مما يضطره إلى فتح أبواب السلف والقروض البنكية والاستدانة التي ترهق الميزانيات وتستنزف الأرزاق. وهكذا تُبدد الموارد المالية وتُستنزف المدخرات لأجل ساعات معدودة وموائد سرعان ما تُرفع وتُنسى، لتتبقى بعدها التزامات مالية ترافق العائلة لسنوات طوال وتزيد من الضغوط المعيشية على الأسرة.
إن طبيعة المجتمع الأردني القائمة على التداخل الاجتماعي وقوة روابط القربى والجوار تزيد من سرعة انتشار هذه الظواهر؛ فالممارسة اليوم تُصبح عُرفاً غداً، وما يُبدأ به كخيار شخصي يتحول مع الوقت إلى استحقاق اجتماعي يُلام من يتخلف عنه. فإذا فتحنا هذا الباب اليوم دون وعي أو رادع عقلاني، فمن يملكون الشجاعة لإغلاقه غداً؟ إن الاستمرار في هذا المسار يستنزف المنظومة القيمية التي قامت على التضامن والاعتدال، ويستبدلها بقيم مظاهر الشكل والرياء الواضح، حيث يُقاس قدر الشخص ومكانته بما ينفقه في ليلة واحدة بدلاً من وعيه وحكمته.
إن المخرج من هذه الأزمة المجتمعية يتطلب مراجعة ذاتية شجاعة وقراراً واعياً يبدأ من كل بيت. فالفرح الحقيقي والبهجة الصادقة لا يُقاسان بحجم الموائد ولا ببدخ القاعات، بل بالسكينة وصدق المشاعر وحفظ النعم. إن العودة إلى الأسلوب المتزن بالاقتصار على دائرة الأهل والأقربين المقربين ليست بخلًا ولا تقصيراً، بل هي صورة من صور التراحم والوعي. إننا بحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لقيم البساطة، ولجم سباق المباهاة الذي لا يربح فيه أحد، حفظاً لأموال الناس وكرامة العائلات، وحمايةً لبيوتنا من أثقال لا طائل منها سوى مظاهر زائلة.
الاستاذ الدكتور حسين احمد الطراونة
المغالاة والمباهاة بالأفراح في المجتمع الأردني
