بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد


يصعب فهم تاريخ العراق الملكي من دون التوقف عند جعفر باشا العسكري، ليس فقط لأنه تولى رئاسة الحكومة ووزارات الدفاع والخارجية، بل لأنه يمثل جيلاً عربياً عاش انهيار الدولة العثمانية، والثورة العربية الكبرى، وتجربة المملكة العربية في دمشق، ثم وجد نفسه أمام مهمة مختلفة تماماً: تحويل الحلم القومي العربي إلى دولة عراقية قابلة للحياة في ظل ميزان قوى كانت بريطانيا الطرف الأقوى فيه.
ومن هنا يطرح جعفر العسكري سؤالاً أكبر من سيرته الشخصية: هل كان من رجال بريطانيا الذين ساهموا في بناء العراق تحت مظلتها، أم كان قومياً عربياً اعتبر التعاون مع بريطانيا مرحلة اضطرارية لبناء دولة وجيش قادرين في النهاية على تحقيق الاستقلال؟
أميل إلى الرأي الثاني، ولكن من دون إعفائه من النقد أو تجاهل التنازلات التي قبل بها جيله.
من ضابط عثماني إلى قائد في الثورة العربية
ولد جعفر العسكري سنة 1885 ونشأ في أسرة عسكرية، وتلقى تعليماً عسكرياً عثمانياً متقدماً، بما في ذلك تدريب في ألمانيا. خدم في الجيش العثماني وشارك في حروب البلقان، ثم أُرسل خلال الحرب العالمية الأولى إلى ليبيا للمشاركة إلى جانب السنوسيين في العمليات الموجهة ضد البريطانيين على الحدود المصرية.
وهذه البداية مهمة للغاية؛ لأن الرجل الذي سيُتهم لاحقاً بأنه من رجال بريطانيا كان قد بدأ حياته العسكرية مقاتلاً بريطانيا بالسلاح.
أُصيب وأُسر، ونُقل إلى القاهرة، وهناك بدأ تحوله السياسي الكبير. فقد اقتنع تدريجياً بأن المشروع العربي الذي أطلقه الشريف الحسين بن علي والثورة العربية قد يوفر للعرب فرصة أفضل للاستقلال من استمرارهم في الدولة العثمانية. وبعد إطلاق سراحه انضم إلى الأمير فيصل بن الحسين، وأصبح من أبرز قادة القوات العربية النظامية في الثورة. وفي سنة 1917 تولى قيادة الجيش الشمالي للثورة العربية، وهو ما يؤكد أنه لم يكن مجرد ضابط التحق بالحركة في مراحلها الأخيرة، بل أصبح من قياداتها العسكرية الأساسية.
شارك بعد ذلك في التقدم العربي نحو دمشق، وعمل مع فيصل في الدولة العربية السورية، وتولى مسؤوليات عسكرية وإدارية، منها ولاية عسكرية في حلب، كما ارتبط اسمه لفترة بإدارة منطقة عمان في المرحلة الفيصليّة. وبعد أن أسقط الفرنسيون المملكة العربية في دمشق سنة 1920 انتقل مركز مشروعه السياسي من سوريا إلى العراق.
وهنا تبدأ المرحلة الثانية من حياته: من الثورة العربية إلى بناء الدولة العراقية.
جعفر العسكري والدولة العراقية
عندما بدأت الدولة العراقية الحديثة بالتشكل، كان جعفر العسكري من رجالها الأساسيين. تولى وزارة الدفاع في أولى الحكومات العراقية، وأسهم بصورة مباشرة في تأسيس الجيش العراقي وإعادة عدد من الضباط العراقيين الذين سبق لهم الخدمة في الجيش العثماني إلى المؤسسة العسكرية الجديدة.
ولم يكن بناء الجيش بالنسبة إليه مجرد مسألة عسكرية؛ فقد كان يرى أن الدولة التي تعتمد بالكامل على القوة الأجنبية لحماية أراضيها لا تستطيع أن تكون مستقلة فعلياً.
تولى رئاسة الوزراء مرتين: الأولى من 22 تشرين الثاني 1923 إلى 2 آب 1924، والثانية من 21 تشرين الثاني 1926 إلى 11 كانون الثاني 1928، كما تولى وزارة الدفاع عدة مرات ووزارة الخارجية ومثّل العراق في لندن.
لذلك لم يكن دوره هامشياً في النظام الملكي، بل كان واحداً من الحلقة الصغيرة التي ساهمت في صياغة مؤسسات العراق الجديد إلى جانب الملك فيصل الأول ونوري السعيد وياسين الهاشمي وغيرهم من الضباط والسياسيين الذين خرجوا من تجربة الثورة العربية.
قومي عربي أم رجل بريطاني؟
هذه هي القضية الأكثر حساسية في تقييم جعفر العسكري.
من السهل النظر إلى النظام العراقي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الأولى والقول إن البريطانيين هم الذين جاءوا بفيصل إلى العراق وإن عدداً من رجال الدولة، ومنهم العسكري، تعاونوا معهم؛ وبالتالي فهم "رجال بريطانيا".
ولكن هذا التفسير لا يكفي.
جعفر العسكري أصبح قومياً عربياً قبل قيام المملكة العراقية، وانضم إلى الثورة العربية، وخدم فيصل في سوريا، وكان مشروعه السياسي في الأصل أكبر من العراق.
المسألة، إذاً، ليست أنه بدأ بريطانياً ثم ارتدى ثوب القومية العربية، وإنما العكس تقريباً: كان عربياً قومياً وجد بعد سقوط دمشق أن تحقيق المشروع العربي الكامل أصبح مستحيلاً في ظل القوة البريطانية والفرنسية، فاختار العمل ضمن الممكن السياسي.
لقد تعلم جيله درساً قاسياً من سقوط الدولة العربية في دمشق: الحماس القومي لا يستطيع وحده حماية دولة لا تمتلك القوة والمؤسسات والتحالفات الدولية.
ومن هنا جاء توجهه إلى التعاون مع بريطانيا.
لكن التعاون شيء، والتبعية المطلقة شيء آخر.
كان العسكري يقبل التفاوض والمعاهدات مع بريطانيا، لكنه في الوقت نفسه كان يريد بناء جيش عراقي ومؤسسات دولة تقلل تدريجياً اعتماد بغداد على البريطانيين. يمكن تلخيص منهجه بالقول: نبني الدولة أولاً، ثم نستخدم مؤسسات الدولة لتوسيع استقلالها.
ولهذا اعتبره خصومه متساهلاً مع بريطانيا، بينما اعتبر هو ومن معه أن المواجهة المفتوحة معها في عشرينيات القرن الماضي قد تؤدي إلى تدمير الدولة العراقية الناشئة بدلاً من تحريرها.
وهذه إشكالية مشروعة في تقييمه. فقد كان لبريطانيا نفوذ كبير في العراق، وكانت المعاهدات تقيد استقلاله، وبالتالي لا يجوز تقديم العسكري على أنه مناضل ضد الاستعمار بالمعنى التقليدي. لكنه، في المقابل، لا يُختزل بصورة موظف ينفذ الإرادة البريطانية.
الملك فيصل والولاء الهاشمي
كان ارتباط جعفر العسكري بالملك فيصل الأول أعمق من علاقة وزير بملك.
فقد جمعتهما تجربة الثورة العربية، ثم المملكة السورية، ثم سقوط دمشق، ثم بناء العراق. وكان جعفر من الذين رأوا في فيصل قائداً يستطيع أن يجمع بين المشروع القومي العربي وبناء دولة عراقية جديدة.
ومن هنا كان ولاؤه للملكية الهاشمية جزءاً من قناعته السياسية، وليس مجرد بحث عن منصب.
كان يعتقد أن هناك إمكانية للجمع بين أربع دوائر:
العروبة، والهاشميون، والعراق، والعلاقة الواقعية مع بريطانيا.
ولم يرَ في ذلك تناقضاً أساسياً.
لكن الأمر أصبح أكثر تعقيداً بعد وفاة فيصل سنة 1933 وتولي الملك غازي. فجيل فيصل القديم لم يعد يتمتع دائماً بالعلاقة نفسها مع البلاط، وبدأت صراعات سياسية وعسكرية جديدة تظهر داخل الدولة.
ومع ذلك بقي جعفر العسكري حتى مقتله مرتبطاً بالنظام الدستوري الملكي.
الأردن: امتداد للمشروع نفسه
علاقة جعفر العسكري بشرق الأردن ذات أهمية خاصة، لأنها سبقت تقريباً قيام الإمارة بصورتها المعروفة.
ففي فترة الحكومة العربية في دمشق تولى العسكري مسؤوليات عسكرية وإدارية مرتبطة بمنطقة عمان، قبل أن يصبح الأمير عبدالله بن الحسين أميراً على شرق الأردن.
ولذلك لم يكن ينظر إلى الأردن باعتباره دولة أجنبية بالمعنى الذي ننظر إليه اليوم.
جعفر وفيصل وعبدالله كانوا جميعاً من أبناء المشروع السياسي الذي خرج من الثورة العربية الكبرى. وبعد سقوط دمشق توزعت نتائج ذلك المشروع جغرافياً: فيصل في العراق وعبدالله في شرق الأردن، بينما بقيت سوريا تحت الانتداب الفرنسي وفلسطين تحت الانتداب البريطاني.
ولهذا يمكن القول إن نظرته للأردن كانت تقوم على ثلاث ركائز: الأخوّة الهاشمية، وتراث الثورة العربية، والانتماء إلى فضاء عربي سياسي مشترك.
فحدود الدول الجديدة لم تكن في ذهن ذلك الجيل قد تحولت بعد إلى الحواجز النفسية والسياسية التي أصبحت عليها لاحقاً.
السعودية: مفاوضات الحدود والقبائل
أما علاقة جعفر العسكري بنجد ثم المملكة العربية السعودية فكانت في جوهرها علاقة دولة بدولة مجاورة، تتركز على ترسيم الحدود، وأمن المناطق الصحراوية، وحركة القبائل عبر الحدود، ومنع الغارات والاحتكاكات التي كانت تهدد الاستقرار.
وكانت هذه القضايا شديدة الحساسية للدولة العراقية الناشئة، لأن الحدود الصحراوية لم تكن مجرد خطوط على الخرائط، بل كانت تعبرها قبائل ترتبط بصلات اجتماعية واقتصادية ممتدة، وهو ما جعل ضبط الحركة والأمن مسألة تفاوض مستمر.
ومع توليه مسؤوليات عليا، بما فيها وزارة الخارجية، كان جعفر العسكري يتعامل مع الجانب السعودي من منظور عملي يقوم على حماية مصالح العراق، وتثبيت حدوده، وتنظيم قضايا القبائل، ومنع الحوادث الحدودية من التحول إلى نزاعات أوسع.
وهنا ظهر مرة أخرى منهجه السياسي: التفاوض، تثبيت الحدود، وتنظيم العلاقة مع الجوار على أساس المصالح المتبادلة والاستقرار.
وهذه العلاقة تبرز بوضوح انتقاله من عقلية القائد في الثورة العربية إلى عقلية رجل الدولة المسؤول عن حدود العراق وأمنه وعلاقاته مع جيرانه.
مصر: من ساحة قتال إلى مركز للدبلوماسية العربية
أما مصر فكانت حاضرة في حياة جعفر العسكري بطريقة مختلفة.
فقد قاتل البريطانيين على حدودها الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، ثم أُسر ونُقل إلى القاهرة، وهناك بدأت إعادة تشكيل رؤيته السياسية وانتهى به الأمر إلى الالتحاق بالثورة العربية.
ثم عادت القاهرة إلى حياته بصورة مختلفة تماماً سنة 1921 عندما أصبحت مؤتمرات وترتيبات ما بعد الحرب جزءاً من رسم مستقبل العراق وشرق الأردن والمنطقة.
ولم تكن علاقة جعفر بمصر بمستوى علاقته بالعراق أو الأردن أو الأسرة الهاشمية، لكنها كانت جزءاً من المجال السياسي والثقافي العربي الذي كان يتشكل آنذاك.
ولذلك يمكن القول إن محوره السياسي الأساسي ظل: بغداد ـ دمشق ـ عمان ـ الحجاز، بينما كانت القاهرة مركزاً عربياً مهماً لكنه لم يكن مركز مشروعه السياسي المباشر.
إيران: حين تحول القومي العربي إلى رجل دولة عراقي
العلاقة مع إيران تكشف تطوراً مهماً آخر في شخصية جعفر العسكري.
إيران لم تكن جزءاً من المشروع العربي، ولم تكن علاقتها بالعراق مبنية على روابط هاشمية أو قومية، بل كانت هناك قضايا حدود وسيادة ومياه ومصالح ووجود إيراني في العراق.
وهنا كان على جعفر أن يفكر باعتباره وزيراً عراقياً لا قائداً للثورة العربية.
كانت الخلافات العراقية ـ الإيرانية تتعلق خصوصاً بالحدود وشط العرب وبالمركز القانوني للإيرانيين المقيمين في العراق، إضافة إلى مسائل القبائل والحركة عبر الحدود.
واللافت أن السياسة العراقية تجاه إيران لم تكن، في جوهرها، صراعاً سنياً ـ شيعياً كما قد يُعاد تفسيرها اليوم. بالنسبة إلى رجال الدولة العراقية الأوائل كانت المسألة أساساً: سيادة العراق مقابل مطالب ونفوذ دولة مجاورة.
وكانت بغداد وطهران، رغم خلافاتهما، تشتركان أيضاً في مصلحة بناء دولتين مركزيتين قويتين والسيطرة على حركات القبائل والتمردات الحدودية.
وهنا تظهر شخصية العسكري بوضوح: قومي عربي في هويته العامة، لكنه عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع إيران يصبح رجل دولة عراقياً يدافع عن سيادة العراق ومصالحه.
فلسطين: الاختبار الأصعب للعلاقة مع بريطانيا
كانت فلسطين أكثر تعقيداً من كل هذه الملفات؛ لأنها وضعت القومية العربية التي يؤمن بها جعفر العسكري أمام الدولة البريطانية التي يتعاون معها في العراق.
فجيل الثورة العربية لم يكن ينظر إلى فلسطين باعتبارها قضية منفصلة تماماً عن سوريا والعراق وشرق الأردن. كانت فلسطين جزءاً من المجال العربي الذي اعتقد هذا الجيل أنه يستحق الاستقلال بعد سقوط الدولة العثمانية.
ومن الطبيعي، ضمن هذا الإطار، أن يكون العسكري متعاطفاً مع عرب فلسطين ومعارضاً لفكرة تحول فلسطين إلى كيان تهيمن عليه الحركة الصهيونية.
لكن هنا ينبغي التحفظ العلمي: لا تتوفر أمامنا أدلة كافية تجعل من الصحيح أن ننسب إليه برنامجاً فلسطينياً تفصيلياً خاصاً به.
الأدق القول إن موقفه يُفهم من خلال قوميته العربية ومحيطه السياسي الهاشمي، لا من خلال سياسة فلسطينية مستقلة حملت اسمه.
وقد توفي في تشرين الأول 1936، أي بعد أشهر قليلة فقط من اندلاع الثورة العربية الفلسطينية الكبرى في ذلك العام، ولذلك لم يعش المراحل التي جعلت فلسطين القضية المركزية في السياسة العربية بعد الحرب العالمية الثانية.
ومع ذلك فإن فلسطين تبرز التناقض الأساسي في سياسته الخارجية: كيف يمكن لقومي عربي أن يتعاون مع بريطانيا في العراق بينما تعارض الحركة الوطنية العربية السياسة البريطانية في فلسطين؟
وجواب العسكري المحتمل كان، مرة أخرى، سياسياً واقعياً: يرفض السياسة البريطانية عندما تتعارض مع المصالح العربية، لكنه لا يرى أن العراق الناشئ قادر على خوض مواجهة شاملة مع بريطانيا في كل قضية.
ويمكن انتقاد هذا الموقف، لكنه يظل أكثر دقة من وصفه إما بالعميل البريطاني أو بالثائر المناهض لبريطانيا.
الجيش: مشروعه الأكبر ومأساته الأكبر
ربما كان تأسيس الجيش العراقي أهم إرث تركه جعفر العسكري.
كان يريد جيشاً وطنياً لأن الدولة التي لا تستطيع حماية نفسها ستبقى مرتبطة بقوة أجنبية.
وكان منطقه واضحاً: جيش عراقي قوي = دولة عراقية قوية = قدرة أكبر على الاستقلال عن بريطانيا.
ولكن النتيجة التاريخية كانت أكثر تعقيداً.
فقد نما الجيش في وقت كانت المؤسسات السياسية العراقية لا تزال هشة. الحكومات تتغير، والصراعات بين السياسيين تتزايد، والأحزاب ومجلس الأمة العراقي لم يتحولا بعد إلى مؤسسات راسخة تستطيع احتواء الصراع السياسي.
وفي المقابل كان الجيش مؤسسة منظمة، مسلحة، لها قيادة وانضباط وقدرة على فرض القرار.
كما ارتكبت الحكومات نفسها خطأً مهماً عندما استخدمت الجيش مراراً في حل النزاعات الداخلية وقمع التمردات والاضطرابات.
وهكذا تعلم الضباط شيئاً خطيراً: إذا كان الجيش هو الذي يُستدعى كلما فشلت السياسة، فربما يكون الجيش أقدر من السياسيين على إدارة الدولة نفسها.
وتدريجياً انتقلت الفكرة من: نحن نحمي الدولة. إلى: نحن ننقذ الدولة، ثم إلى: نحن نقرر من يحكم الدولة.
انقلاب بكر صدقي ومقتل مؤسس الجيش
بلغ هذا التطور ذروته في انقلاب بكر صدقي سنة 1936، وهو أول تدخل عسكري مباشر ناجح لتغيير الحكومة في تاريخ العراق الحديث.
كان جعفر العسكري وزيراً للدفاع في حكومة ياسين الهاشمي عندما تحركت القوات باتجاه بغداد. وحاول العسكري وقف الانقلاب عن طريق الاتصال بالقوات والضباط، معتمداً على مكانته التاريخية باعتباره من مؤسسي الجيش ورجلاً يعرفه ويحترمه كثير من الضباط.
لكن بكر صدقي أدرك خطورة وجوده.
فإذا استطاع العسكري إقناع الضباط بالتراجع أو شق القوات المتقدمة، فقد ينهار الانقلاب. ولذلك تم اعتراضه وقتله أثناء محاولته التفاوض مع القوات.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات التاريخ العراقي إيلاماً: الرجل الذي ساهم في تأسيس الجيش العراقي قُتل على يد ضباط من الجيش نفسه عندما خرج الجيش للمرة الأولى لإسقاط حكومة بالقوة.
هل أخطأ جعفر العسكري في بناء جيش قوي؟
الجواب: لا. العراق كان يحتاج إلى جيش، ولا يمكن تصور دولة مستقلة بدونه.
لكن المشكلة أن بناء المؤسسة العسكرية تقدم أسرع من بناء المؤسسات السياسية القادرة على إخضاعها لسلطة الدولة المدنية.
كان يجب أن تكون القاعدة واضحة: الجيش للدولة، والدولة يحكمها الدستور، والحكومة تتغير في البرلمان لا على فوهة البندقية. لكن هذه القاعدة لم تترسخ بما يكفي. ولذلك فإن ما حدث سنة 1936 كان أكبر من مجرد إسقاط وزارة. فقد انكسر حاجز سياسي ونفسي: اكتشف الضباط أن تحريك القطعات العسكرية باتجاه العاصمة يمكن أن يغير الحكومة وأن الملك قد يضطر إلى قبول الأمر الواقع.
ومن هنا يصبح ممكناً القول إن عام 1958 بدأ، من زاوية معينة، عام 1936.
فعندما يُسمح للجيش بالدخول إلى السياسة مرة، يصبح إخراجه منها أكثر صعوبة.
جعفر العسكري بين العراق والعروبة
إذا حاولنا في النهاية تحديد هوية جعفر العسكري، فلن نجد جواباً من كلمة واحدة.
لم يكن عراقياً إقليمياً بالمفهوم الضيق؛ فقد جاءت قوميته العربية قبل تأسيس العراق الحديث.
ولم يكن وحدوياً رومانسياً يتجاهل واقع الدولة؛ فقد تعلم مع الزمن الدفاع عن الحدود والمصالح والسيادة العراقية.
ولم يكن عدواً مطلقاً لبريطانيا؛ فقد تعاون معها وتفاوض معها وقبل ترتيبات تضمن لها نفوذاً كبيراً.
لكنه أيضاً لم يكن مجرد رجل بريطاني؛ فقد أراد بناء مؤسسات عراقية وجيش وطني يستطيعان تقليل حاجة العراق إليها.
وكان هاشمياً في ولائه السياسي، لكنه بدأ تدريجياً يتصرف بمنطق الدولة العراقية المستقلة عندما واجه قضايا الحدود والجوار والعلاقات الإقليمية.
لذلك فإن الوصف الأقرب له، في تقديري، هو: جعفر العسكري قومي عربي هاشمي تحول بفعل المسؤولية والتجربة إلى رجل دولة عراقي واقعي.
كان يؤمن بأن الاستقلال لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما ببناء الجيش والإدارة والدستور والعلاقات الدولية.
ولكن تجربته تكشف أيضاً حدود هذه المدرسة السياسية.
فقد اعتقد جيله أن بناء الدولة القوية سيقود بصورة تدريجية إلى الاستقلال عن بريطانيا. وكان هذا صحيحاً إلى حد ما، إذ انتهى الانتداب ودخل العراق عصبة الأمم سنة 1932، لكن النفوذ البريطاني استمر.
واعتقد أن الجيش القوي سيضمن سيادة العراق. لكن الجيش عندما أصبح قوياً قبل أن تصبح المؤسسات السياسية راسخة، تحول إلى لاعب في السياسة.
ولهذا يمكن تلخيص مأساة جعفر العسكري في معادلة واحدة: أراد أن يبني جيشاً يحمي استقلال الدولة، لكنه قُتل عندما قرر جزء من ذلك الجيش أن يصبح هو صاحب القرار في الدولة. وهذه ربما أهم رسالة في سيرته.
فالدول لا تصبح قوية بمجرد امتلاك جيش قوي، كما أنها لا تصبح مستقلة بمجرد رفع العلم وإنهاء الانتداب. القوة الحقيقية للدولة تأتي من التوازن بين الجيش والدستور والمؤسسات السياسية والشرعية الوطنية.
جعفر العسكري ساهم بجدية في بناء أحد أضلاع هذه الدولة، لكنه لم يعش ليرى أن العراق كان ما يزال بحاجة إلى بناء الأضلاع الأخرى بالصلابة نفسها.
ولذلك فإن قراءة جعفر العسكري اليوم لا ينبغي أن تكون محاكمة بين وصفين: وطني أو عميل، قومي أو بريطاني. التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.
السؤال الأجدى هو: هل اختار الرجل الوسائل الصحيحة لتحقيق أهدافه؟
وفي تقديري، كان هدفه واضحاً: دولة عراقية عربية الهوية، مرتبطة بمحيطها، يقودها نظام هاشمي، تمتلك جيشاً وطنياً، وتنتقل تدريجياً من الاعتماد على بريطانيا إلى الاستقلال عنها.
نجح جزء من المشروع، وفشل جزء آخر، ودفع جعفر العسكري حياته ثمناً لأخطر تناقض فيه.