رئيس المكتب السياسي لحزب نماء: الزيارة الملكية تفتح آفاقًا واسعة للاستثمار والتنمية وتعزز مكانة الأردن إقليميًا ودوليًا
كتب: عوني الرجوب
الباحث والكاتب السياسي
رئيس المكتب السياسي لحزب نماء
في عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، وتغيرًا عميقًا في موازين القوى الدولية، تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى جمهورية الصين الشعبية لتؤكد أن الأردن لا يقف متفرجًا أمام المتغيرات، وإنما يتحرك بوعي وثبات، ويقرأ المستقبل بعين استراتيجية، ويعمل على بناء شراكات دولية تخدم مصالحه الوطنية وتفتح أمام شعبه آفاقًا جديدة.
إن زيارة جلالة الملك إلى الصين ليست زيارة بروتوكولية عابرة، ولا مجرد محطة في برنامج دبلوماسي، وإنما هي رؤية ملكية لمستقبل الأردن، وتحرك استراتيجي في الاتجاه الصحيح، في وقت أصبحت فيه الصين واحدة من أهم القوى الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية في العالم.
ومن هنا، فإننا في حزب نماء نرى في هذه الزيارة خطوة وطنية مهمة تستحق الإشادة والتقدير، لأنها تضع المصالح الأردنية في صميم الحراك الدبلوماسي والاقتصادي، وتسعى إلى تحويل العلاقات السياسية المتميزة بين الأردن والصين إلى شراكات اقتصادية واستثمارية وتنموية حقيقية.
لقد أثبت جلالة الملك عبدالله الثاني، من خلال هذه الزيارة، أن الدبلوماسية الأردنية ليست مجرد لقاءات ومباحثات، وإنما هي أداة فاعلة لحماية المصالح الوطنية، وجذب الاستثمار، وفتح الأسواق، وبناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى.
والأردن، في ظل الظروف الاقتصادية والإقليمية والدولية الصعبة، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تنويع شراكاته الاقتصادية والاستثمارية، والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص والشباب والاقتصاد الوطني.
والصين، بما تمتلكه من إمكانات هائلة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل والبنية التحتية والتجارة والاستثمار، يمكن أن تكون شريكًا استراتيجيًا مهمًا للأردن في المرحلة المقبلة.
الصين.. شريك استراتيجي وفرصة اقتصادية
إن أهمية الصين بالنسبة للأردن لا تكمن فقط في كونها قوة اقتصادية عالمية كبرى، وإنما في امتلاكها خبرات واسعة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة وسلاسل التوريد والاقتصاد الرقمي.
وهذه المجالات تمثل فرصًا حقيقية أمام الأردن، خصوصًا أن المملكة تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وكفاءات بشرية، وموانئ ومناطق صناعية واقتصادية، ويمكنها أن تكون بوابة مهمة للأسواق العربية والإقليمية.
ومن هنا تأتي أهمية التحرك الملكي نحو بكين؛ فالأردن لا يبحث عن علاقات سياسية فقط، وإنما يسعى إلى شراكة اقتصادية منتجة، تستقطب الاستثمارات، وتنقل التكنولوجيا والخبرات، وتدعم الصناعة الوطنية، وتفتح الأسواق أمام المنتجات الأردنية.
نتائج الزيارة.. من التفاهم السياسي إلى العمل الاقتصادي
إن ما يميز هذه الزيارة أنها لم تتوقف عند حدود اللقاءات السياسية، وإنما شهدت توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة، بما يؤكد وجود رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات الأردنية الصينية إلى مرحلة أكثر عملية واتساعًا.
وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن الأردن بحاجة إلى شراكات اقتصادية حقيقية تنتقل من غرف الاجتماعات إلى أرض الواقع.
نحن بحاجة إلى استثمارات جديدة، ومصانع ومشاريع إنتاجية، وتعاون في الطاقة والمعادن، وتطوير للصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، وشراكات في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وتعاون أوسع في الزراعة والسياحة والتعليم والنقل والخدمات اللوجستية.
كما أن التعاون في التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي يمثل فرصة مهمة للأردن للاستفادة من الخبرة الصينية في هذا المجال، وتمكين الشركات الأردنية، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، من الوصول إلى أسواق جديدة.
الاستثمار الصيني.. فرصة للأردن
إن جذب الاستثمارات الصينية إلى الأردن يجب أن يكون من الأولويات في المرحلة المقبلة.
والأردن يمتلك فرصًا واعدة في قطاعات متعددة، من الطاقة والمعادن والصناعة إلى السياحة والزراعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
وقد حملت زيارة جلالة الملك إلى الصين اهتمامًا واضحًا بالجانب الاستثماري، من خلال اللقاءات مع كبار المسؤولين والشركات الصينية، وطرح الفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة.
وهنا تظهر أهمية الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة الملك؛ فالعلاقات الدولية في عصرنا لم تعد تقتصر على السياسة، وإنما أصبح الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا منها.
إن جلالة الملك يتحرك من أجل الأردن، ويضع أمام المستثمرين والشركات العالمية الفرص التي تمتلكها المملكة، ويعمل على تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية مشتركة.
وهذا النوع من التحرك يستحق الدعم والإشادة.
من الصين إلى الأردن.. التكنولوجيا والخبرة والمعرفة
إن الصين لم تحقق مكانتها الاقتصادية الحالية بالموارد وحدها، وإنما بالعلم والتكنولوجيا والتصنيع والتخطيط والاستثمار في الإنسان.
وهنا يمكن للأردن أن يستفيد بصورة كبيرة من التجربة الصينية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعة والطاقة والنقل.
والأردن يمتلك شبابًا متعلمًا وكفاءات بشرية قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وما نحتاجه هو ربط هذه الطاقات بالاستثمارات والمشاريع والتكنولوجيا العالمية.
فإذا نجحنا في استقطاب الشركات الصينية إلى الأردن، وإقامة مشاريع مشتركة، ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر الأردنية، فإننا لن نجذب رأس المال فقط، بل سنجذب المعرفة والخبرة والتكنولوجيا، وهذا هو الاستثمار الأكثر أهمية على المدى الطويل.
السياحة.. سوق صينية ضخمة
ولا ينبغي أن نغفل قطاع السياحة.
فالصين تمتلك سوقًا سياحية ضخمة، والأردن يمتلك مقومات سياحية لا مثيل لها، من البترا ووادي رم والبحر الميت، إلى المواقع الدينية والتاريخية والطبيعية.
ومن شأن توسيع التعاون السياحي مع الصين أن يفتح الباب أمام زيادة أعداد السياح الصينيين إلى المملكة، وهو ما يعني زيادة الإيرادات السياحية، ودعم الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات والقطاعات المرتبطة بالسياحة.
كما أن التعاون في مجال الطيران والنقل يمكن أن يسهم في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز التواصل الاقتصادي بين البلدين.
الأردن لا يستبدل شريكًا بشريك
ومن المهم التأكيد على أن الانفتاح الأردني على الصين لا يعني بأي شكل من الأشكال التخلي عن علاقات الأردن التاريخية مع شركائه الآخرين.
فالأردن دولة ذات سياسة خارجية متوازنة، وتحرص على بناء علاقات قوية مع مختلف دول العالم بما يخدم مصالحها الوطنية.
والشراكة مع الصين يجب أن تُفهم في إطار تنويع الشراكات وتعظيم المصالح الوطنية، وليس في إطار الاصطفاف أو الاستبدال.
فالأردن يستطيع أن يكون شريكًا للصين، وأن يحافظ في الوقت نفسه على علاقاته العربية والإسلامية والدولية، وأن يوسع خياراته السياسية والاقتصادية بما يعزز استقلال قراره الوطني.
وهذه هي السياسة الواقعية التي يحتاجها الأردن في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية في مراكز القوة والتأثير.
القضية الفلسطينية حاضرة في الموقف الأردني
ولا يمكن الحديث عن زيارة جلالة الملك إلى الصين بمعزل عن الدور السياسي الأردني في المنطقة.
فالأردن يحمل موقفًا ثابتًا تجاه القضية الفلسطينية، ويتمسك بحل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ويواصل جهوده من أجل وقف الحرب وحماية الشعب الفلسطيني وإيصال المساعدات الإنسانية.
وهذا يؤكد أن الدبلوماسية الأردنية تتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه: حماية المصالح الوطنية، ودعم الاستقرار الإقليمي، والدفاع عن القضية الفلسطينية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية الدولية.
من الاتفاقيات إلى التنفيذ
إننا في حزب نماء نرى أن نجاح هذه الزيارة لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها، وإنما بما ستنتجه هذه الاتفاقيات على أرض الواقع.
نريد أن نرى مصانع جديدة في الأردن، ومشاريع استثمارية، وفرص عمل، ونقلًا للتكنولوجيا، وزيادة في الصادرات، وتوسعًا في السياحة، وشراكات حقيقية بين القطاع الخاص الأردني والصيني.
ونريد أن تتحول هذه الاتفاقيات إلى برامج تنفيذية واضحة، وجداول زمنية، ومشاريع يشعر المواطن الأردني بنتائجها.
فالهدف النهائي لأي شراكة اقتصادية هو المواطن الأردني.
نريد اقتصادًا أقوى، وفرص عمل أكثر، وإنتاجًا وطنيًا أكبر، وصادرات أوسع، واستثمارات نوعية، وقدرة أكبر على مواجهة التحديات الاقتصادية.
وهنا تكمن المسؤولية الوطنية بعد انتهاء الزيارة: أن نحسن استثمار ما تحقق، وأن نتابع التنفيذ، وألا تبقى الاتفاقيات حبرًا على ورق.
حزب نماء يشيد بالجهد الملكي
إننا في حزب نماء، ومن موقعنا الوطني والسياسي، نشيد بجهود جلالة الملك عبدالله الثاني، ونقدر عاليًا هذا الحراك الملكي الذي يضع الأردن في قلب المشهد الدولي، ويبحث باستمرار عن الفرص التي تعزز أمنه واستقراره واقتصاده ومكانته.
لقد أثبت جلالة الملك مرة أخرى أنه قائد يمتلك رؤية بعيدة المدى، ويقرأ التحولات الدولية بعمق، ويتحرك في الوقت المناسب، ويضع مصلحة الأردن وشعبه فوق كل اعتبار.
وإن اختيار الصين في هذا التوقيت يعكس إدراكًا عميقًا للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وضرورة أن يكون الأردن حاضرًا في هذه التحولات، وأن يبحث عن فرصه في مختلف الأسواق ومراكز القوة الاقتصادية.
إنها سياسة تقوم على الواقعية، والانفتاح، وتنويع الخيارات، وتعظيم المصالح الوطنية.
كلمة أخيرة
إن زيارة جلالة الملك إلى الصين ليست مجرد زيارة إلى دولة صديقة، وإنما هي رسالة واضحة بأن الأردن ينظر إلى المستقبل بثقة، ويعمل على بناء اقتصاد أقوى، وشراكات أوسع، وحضور دولي أكثر تأثيرًا.
ونحن في حزب نماء نؤكد دعمنا لكل جهد وطني صادق يسهم في تعزيز مكانة الأردن، وتقوية اقتصاده، وفتح آفاق جديدة أمام أبنائه.
كما نؤكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة عمل وتنفيذ، وأن نحول نتائج الزيارة إلى مشاريع حقيقية، وأن نستثمر علاقاتنا المتميزة مع الصين بما يخدم الأردن والمواطن الأردني.
إن الأردن أمام فرصة حقيقية، والصين شريك دولي مهم، وما نحتاجه هو إرادة التنفيذ، وحسن التخطيط، وتكامل جهود الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية.
وفي الختام، نرفع أسمى عبارات التقدير والاعتزاز إلى مقام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، على جهوده المتواصلة في خدمة الأردن والدفاع عن مصالحه وتعزيز مكانته بين دول العالم، ونثمن رؤيته الحكيمة في بناء علاقات متوازنة وفتح أبواب جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحفظ الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ومضى به نحو مستقبل أكثر قوة وازدهارًا
