بقلم محمد النجار

رحل سليمان منصور، لكن لوحاته لم ترحل. بقيت معلّقة في ذاكرتنا، وفي بيوتنا، وفي وجدان شعبٍ حمل الوطن على كتفيه كما حمله ذلك الفلسطيني في لوحته الشهيرة.
هذه الصورة لم تكن مجرد لوحة؛ كانت حكاية شعب. رجلٌ حافي القدمين، منحني الظهر، يحمل فوق كتفيه مدينةً كاملة، وفي قلبها القدس. كأن منصور اختصر في تلك اللحظة تاريخ الفلسطيني: أرضٌ يحملها أينما ذهب، ومدينةٌ لا تغادر ذاكرته، ووطنٌ أثقلته النكبة والتهجير والاحتلال، لكنه لم يسقط من الذاكرة.
كم بيتًا فلسطينيًا وعربيًا احتضنت هذه الصورة؟ وكم عينًا توقفت أمامها، فرأت فيها أبًا أو جدًا أو لاجئًا حمل مفتاح بيته بدلًا من أن يحمل مدينته؟ كانت اللوحة تذكّرنا بأن فلسطين ليست جغرافيا فحسب، بل ذاكرة وبيت وشارع وكنيسة ومسجد وحقل ووجه أمّ تنتظر عودة الغائب.
اليوم، ونحن نرثي صاحبها، نشعر كأننا لا نودّع رسامًا فحسب، بل نودّع جزءًا من الذاكرة البصرية الفلسطينية. فقد استطاع سليمان منصور أن يجعل من اللون موقفًا، ومن الريشة شهادة، ومن اللوحة وثيقةً تحفظ ما حاول الزمن والحرب والاحتلال أن يمحوه.
رحل الرجل الذي رسم فلسطين وهي تحمل نفسها، لكن فلسطين التي رسمها ستبقى حاضرة.
ستبقى تلك الظهر المنحنية تقول إن الطريق كان طويلًا، وإن الحمل كان ثقيلًا، وإن الفلسطيني دفع من عمره الكثير، لكنه ظل يحمل وطنه ولا يتركه.
سلامٌ على روح سليمان منصور، وعلى يده التي لم تكن ترسم بالألوان فقط، بل كانت ترسم ذاكرة شعبٍ ومأساة وطن.
رحم الله الفنان الذي جعل من لوحاته ذاكرةً لا تموت، وجعل من فلسطين لوحةً تسكن في بيوتنا وقلوبنا، حتى يأتي يومٌ لا يعود فيه الفلسطيني مضطرًا إلى حمل وطنه على كتفيه... لأنه سيكون قد عاد إليه.