بقلم: المحامية هنزاد التل
راق لي أن أكتب هذا المقال بعدما أخذ خبر دراسة الولايات المتحدة سحب ما يصل إلى 200 ألف تأشيرة سياحية وتجارية حيزًا واسعًا من الاهتمام، ليس فقط في الإعلام الأمريكي، وإنما لدى متابعين في منطقتنا العربية أيضًا.
فالخبر، وإن كان أمريكيًا في ظاهره، إلا أن أبعاده الإنسانية تتجاوز حدود الولايات المتحدة، لأن من بين الأشخاص الذين قد تطالهم مثل هذه الإجراءات أشخاصًا غادروا أوطانهم لأسباب متعددة، بعضها اقتصادي، وبعضها إنساني، وبعضها مرتبط بالبحث عن الحرية والأمان ومستقبل أفضل.
وبحسب التقارير، تدرس الولايات المتحدة سحب ما يصل إلى 200 ألف تأشيرة من نوع B1 وB2، وهي تأشيرات مخصصة للسياحة والأعمال، من أشخاص دخلوا البلاد بهذه التأشيرات ثم تقدموا بطلبات لجوء أو يسعون للحصول عليه.
ومن المهم هنا التأكيد أن الحديث يدور عن خطة قيد الدراسة، وأن رقم 200 ألف هو تقدير أوردته تقارير أمريكية، وليس إعلانًا رسميًا بأن هذا العدد قد سُحبت تأشيراتهم بالفعل.
خلف الرقم.. حكايات إنسانية
الأرقام الكبيرة تلفت الانتباه، لكن خلف كل رقم إنسان له قصة.
هناك من غادر وطنه بسبب ضيق المعيشة، وارتفاع تكاليف الحياة، وضعف فرص العمل، أو عدم قدرته على تأمين مستقبل أفضل لأسرته.
وهناك من ترك وطنه بعد سنوات من البحث عن فرصة عمل دون جدوى، فاختار أن يبدأ من جديد في بلد آخر، مهما كانت صعوبة الغربة.
وبالنسبة إلى كثير من العرب، لم تكن الهجرة دائمًا بحثًا عن الرفاهية، وإنما كانت في أحيان كثيرة محاولة للخروج من ظروف اقتصادية صعبة وبناء حياة أكثر استقرارًا.
لكن ماذا يحدث إذا اضطر هؤلاء إلى العودة؟
إذا عاد المهاجر.. هل يجد عملًا؟
هنا يبدأ السؤال الأصعب.
إذا عاد شخص أمضى سنوات خارج وطنه، هل سيجد الوظيفة التي تركها؟
هل ما زال سوق العمل قادرًا على استيعابه؟
وهل توجد برامج حقيقية للاستفادة من الخبرات التي اكتسبها خلال سنوات الغربة؟
فبعض العائدين قد يعودون وهم يحملون شهادات وخبرات ومهارات جديدة، لكنهم قد يواجهون سوق عمل محدودًا، أو أجورًا لا تتناسب مع خبراتهم، أو صعوبة في إعادة بناء حياتهم من البداية.
ولهذا فإن قضية الهجرة لا ينبغي أن تنتهي عند عبارة: عاد إلى وطنه.
بل يجب أن نسأل: ماذا ينتظره بعد العودة؟
وهناك من هاجر بحثًا عن الحرية
الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن المال.
هناك من غادر وطنه لأنه كان يبحث عن مساحة أوسع من الحرية والكرامة الإنسانية.
حرية الرأي والتعبير، والقدرة على الاختلاف دون خوف، وحرية المظهر، واختيار أسلوب الحياة ضمن القانون، كلها أمور قد تكون بالنسبة إلى البعض أسبابًا حقيقية لاتخاذ قرار الهجرة.
فالإنسان قد يبحث عن العمل، لكنه قد يبحث في الوقت نفسه عن الأمان والكرامة والحرية.
وفي بعض المجتمعات، قد يجد الإنسان نفسه أمام قيود اجتماعية أو سياسية أو قانونية تحد من قدرته على التعبير عن رأيه أو ممارسة خياراته الشخصية، فيصبح البحث عن مجتمع أكثر انفتاحًا أحد أسباب الرحيل
وهنا يجب أن ننظر إلى الهجرة باعتبارها ظاهرة متعددة الأسباب، لا أن نختزلها في الفقر أو البطالة وحدهما.
بين حق الدولة وحقوق الإنسان
من حق كل دولة أن تضع قوانينها المتعلقة بالدخول والإقامة والتأشيرات، وأن تطبق تلك القوانين على من يدخل أراضيها.
لكن في المقابل، فإن التعامل مع ملفات الهجرة واللجوء يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الفردية لكل شخص، وألا تتحول الأرقام الكبيرة إلى أحكام جماعية تتجاهل اختلاف الحالات.
كما أن إلغاء تأشيرة الزيارة لا يعني بالضرورة الترحيل الفوري، فالوضع القانوني لكل شخص يعتمد على ملفه والإجراءات القائمة بحقه.
ولهذا فإن القضية تحتاج إلى قراءة قانونية وإنسانية متوازنة، بعيدًا عن التهويل وبعيدًا أيضًا عن تجاهل حق الدول في تنظيم حدودها.
ماذا يجب أن تفعل الدول العربية؟
إذا كانت الهجرة أصبحت أكثر صعوبة، وإذا كانت بعض الدول تستعد لتشديد سياساتها تجاه المهاجرين، فإن السؤال يجب ألا يتوجه إلى الدول المستقبلة وحدها.
علينا نحن أيضًا أن نسأل:
هل وفرنا فرص عمل كافية لشبابنا؟
هل نستفيد من خبرات من عاشوا سنوات في الخارج؟
هل توجد برامج حقيقية لإعادة دمج العائدين؟
هل يستطيع من يعود أن يبدأ مشروعًا أو يجد وظيفة تحفظ له كرامته؟
وهل نملك بيئة تسمح للإنسان بأن يختلف، ويعبّر عن رأيه، ويعيش حياته ضمن القانون دون أن يشعر بأنه مضطر إلى الرحيل؟
الهجرة ليست مجرد رقم،،،،،
وراء كل مهاجر قصة.
هناك من غادر بحثًا عن وظيفة، وهناك من غادر بحثًا عن الأمان، وهناك من غادر من أجل مستقبل أطفاله، وهناك من غادر بحثًا عن الحرية.
وقد يجتمع كل ذلك في شخص واحد.
لذلك فإن الحديث عن الهجرة يجب ألا يكون حديثًا عن أرقام وتأشيرات وحدود فقط، بل عن الإنسان الذي يقف خلف هذه الأرقام.
وإذا عاد هذا الإنسان إلى وطنه، فلا ينبغي أن يكون السؤال فقط: لماذا عاد؟
بل علينا أن نسأل:
هل أعددنا له مكانًا يستطيع فيه أن يعمل، وأن يعيش بكرامة، وأن يستفيد من خبرته، وأن يشعر بأنه حر وآمن في وطنه؟
لأن الهدف الحقيقي ليس أن نمنع الإنسان من الهجرة فقط، وإنما أن نبني أوطانًا لا يضطر الإنسان إلى مغادرتها بحثًا عن الحياة التي يستحقها،،،،
