بقلم: الباحث والكاتب السياسي عوني الرجوب
رئيس المكتب السياسي / حزب نماء الأردني
إلى حسين الشلخ:
إذا كنت تعتقد أن الأردن يمكن أن يكون لقمة سائغة، وأن خمسة ألوية تستطيع أن تدخل الأردن وتحتل بلاد الشام، فأنت أمام قراءة ساذجة للتاريخ والجغرافيا والسياسة، وأمام استخفاف بعقول الناس قبل أن يكون تهديدًا لدولة ذات سيادة.
ولا أدري على ماذا استندت في إطلاق مثل هذه التصريحات؟ هل أنت محلل عسكري وخبير في الحروب بين الدول، ولديك من الدراسات والمعطيات العسكرية والاستراتيجية ما يؤهلك لإصدار مثل هذه الأحكام؟ أم أنك مجرد متحدث خفيف الوزن يطلق الشعارات دون معرفة دقيقة بحجمها وتداعياتها وفحواها؟
فالحديث عن احتلال دولة ليس استعراضًا إعلاميًا، وإنما قضية عسكرية واستراتيجية معقدة لها حساباتها الدقيقة، من حجم القوات وقدراتها وتسليحها ولوجستياتها، إلى طبيعة الأرض والدفاعات والقدرة على الإمداد والسيطرة.
ثم أسألك: كيف تتحدث عن اجتياح دول أخرى، بينما المنطقة التي تنتمي إليها أنت ما زالت تعاني من تحديات أمنية وسيادية تجعل الحركة فيها محكومة بحسابات أمنية دقيقة؟
إن القوة الحقيقية ليست أن يخرج الإنسان على شاشة ويطلق الشعارات عن احتلال الأردن وبلاد الشام. القوة الحقيقية أن يكون الإنسان واثقًا من وطنه، معتزًا بأمنه، وقادرًا على مواجهة مشكلاته قبل أن يتحدث عن احتلال أوطان الآخرين.
نحن في الأردن نتجول في مختلف مناطق وطننا، ليلًا ونهارًا، بأمن وأمان، ولا نحتمي بمنطقة خضراء ولا صفراء، ويعيش المواطن الأردني مطمئنًا على أرضه، بينما يعيش كثير من أبناء بعض دول الجوار تحت هاجس الخوف والاضطرابات والمناطق المحمية والإجراءات الأمنية.
فلا تجعل من كثرة الكلام عن القوة ستارًا يخفي واقعًا مختلفًا.
ولا تجعل من نفسك سلطة على شعوب وأوطان لم توكلك بالحديث عنها. الأردن دولة ذات سيادة، وشعبه يعرف وطنه ويحميه، وجيشه يعرف واجبه.
أما بلاد الشام، فليست لقمة سائغة، وليست غنيمة تنتظر من يمد يده إليها. الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين أوطان وشعوب لها تاريخها وكرامتها وسيادتها، ولا يحق لأحد أن يتعامل معها وكأنها أرض بلا أصحاب.
والعراق له تاريخ عظيم، وشعبه الشقيق قدم التضحيات الكبيرة، لكن من حقنا أن نسأل: أين كان هذا الصوت عندما كان العراق تحت الاحتلال؟ وأين كانت مواقفك يومها؟ هل كنت في صف المقاومين والمدافعين عن العراق، أم كنت ممن خدموا الاحتلال وقدموا له الخدمات؟
التاريخ لا يرحم، ومن يريد أن يزايد اليوم على الأردن وشعوب المنطقة، عليه أولًا أن يجيب عن ماضيه ومواقفه.
والأغرب أن يتحول الخطاب السياسي عند البعض إلى وسيلة للتكسب الإعلامي، فيكثر الحديث عن الآخرين، وتكثر الإساءة إلى الأشقاء، وكأن الشتيمة والتجريح والتهديد دليل قوة أو بطولة.
القوة ليست في شتم الآخرين، ولا في إطلاق التهديدات، ولا في الادعاء بأنك تستطيع احتلال دول بأكملها. القوة في أن تمتلك الحجة والمعرفة والمسؤولية، وأن تكون قادرًا على مواجهة واقعك قبل أن توزع الوعيد على الآخرين.
يا حسين الشلخ، إذا كنت تملك دراسة عسكرية أو استراتيجية حقيقية بنيت عليها كلامك، فاعرضها على الناس. أما إطلاق الشعارات دون علم أو دليل فلا يصنع انتصارًا ولا يمنح صاحبه مكانة.
ونحن نحترم العراق وشعب العراق الشقيق، ونعتز بتاريخه ومكانته العربية، لكننا نرفض أن يُستخدم اسم العراق لإطلاق تهديدات ضد الأردن أو أي دولة عربية.
خمسة ألوية في تصريح إعلامي لا تجعل الأردن لقمة سائغة، كما أن التهديدات لا تصنع جيوشًا ولا تسقط أوطانًا.
الأردن لا يهدد أحدًا، لكنه لا يقبل أن يُهدَّد.
فعليك احترام الأردن وشعبه، كما نحترم العراق وشعبه، ولا تتلاعب بالألفاظ الفارغة.
أما بلاد الشام، فليست ملكًا لأحد، وليست أرضًا مستباحة، وشعوبها ليست بلا كرامة ولا تاريخ.
والأردن سيبقى شامخًا، عزيزًا، آمنًا بأهله، قويًا بجيشه، وعصيًا على كل من يفكر أن يختبر سيادته
