بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
كنا في سلسلة المقالات السابقة نحاول قراءة تطور الدولة العراقية من الداخل: الملك، ورئيس الوزراء، والبرلمان، والجيش، والقوى السياسية، وكيف انتقل العراق من مرحلة تأسيس الدولة في عهد الملك فيصل الأول إلى تعاظم دور الجيش ثم الانقلابات وانهيار النظام الملكي سنة 1958.
لكن عند الوصول إلى العلاقات الإقليمية لياسين الهاشمي وجعفر العسكري ونوري السعيد، برز أمامنا عامل لا يمكن التعامل معه كموضوع جانبي صغير: إيران.
فإيران ليست مجرد دولة مجاورة للعراق. هناك حدود طويلة، وشط العرب، ومصالح مائية وتجارية، وأكراد على جانبي الحدود، وعلاقات دينية واجتماعية قديمة بين إيران والنجف وكربلاء، فضلاً عن التنافس على النفوذ في الخليج والمنطقة.
لهذا وجدت أن من الأفضل أن نتوقف مؤقتاً عن تحليل التطور السياسي الداخلي للعراق، وأن نفرد مقالاً مستقلاً للعلاقات العراقية الإيرانية.
فالحديث عن قوة الملك، أو دور الجيش، أو مكانة الشيعة والأكراد في الدولة العراقية، يصبح ناقصاً إذا لم نعرف أولاً: متى كانت إيران مجرد جار مؤثر، ومتى أصبحت منافساً استراتيجياً، ومتى انتقلت إلى التدخل في الشؤون الداخلية للعراق؟
وهذه الفروق مهمة جداً، لأن من الخطأ إسقاط طبيعة النفوذ الإيراني في العراق بعد عام 2003 على علاقة البلدين منذ تأسيس المملكة سنة 1921.
1921 : ولادة دولتين في مرحلة إعادة بناء
عندما تأسست المملكة العراقية سنة 1921، كانت إيران نفسها تدخل مرحلة تحول سياسي عميق. ففي العام ذاته برز رضا خان في طهران، ثم أصبح رضا شاه سنة 1925 وبدأ بناء دولة إيرانية مركزية حديثة.
وبذلك كانت بغداد وطهران تتحركان، وإن بأساليب مختلفة، نحو هدف متشابه:
بناء دولة مركزية تفرض سلطتها على القبائل والمناطق والأطراف وتحدد حدودها وسيادتها.
لكن نقطة البداية كانت مختلفة.
العراق خرج من الدولة العثمانية وأصبح تحت نفوذ بريطاني قوي، بينما كانت إيران دولة قائمة تاريخياً لكنها عانت ضعف السلطة المركزية والتدخلات الروسية والبريطانية.
ومنذ البداية وجدت الدولتان نفسيهما أمام ملفات موروثة من العلاقة العثمانية-الفارسية، لم يكن من السهل حلها بمجرد قيام المملكة العراقية.
إيران وتأخر الاعتراف بالمملكة العراقية
لم تعترف إيران رسمياً بالعراق إلا سنة 1929، أي بعد نحو ثماني سنوات من تأسيس المملكة.
وكان وراء التأخير مجموعة من القضايا، أبرزها وضع الرعايا الإيرانيين المقيمين في العراق، والعلاقات القنصلية، والتجارة، والحدود، وشط العرب.
لقد ورث عدد من الإيرانيين في العراق امتيازات تعود إلى العهد العثماني. لكن قيام الدولة العراقية الحديثة أدى تدريجياً إلى إلغاء هذه الاستثناءات وإخضاع المقيمين الإيرانيين لقوانين الدولة الجديدة.
وهنا بدأت إحدى أهم سمات العلاقة العراقية الإيرانية:
العراق يريد تأكيد سيادته، وإيران تحاول حماية مصالح مواطنيها ومكانتها التاريخية.
لم يكن الصراع في هذه المرحلة مذهبياً في الأساس، بل كان صراع دولة مع دولة حول السيادة والحقوق والمصالح. وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن العلاقات بين الملكيتين خلال 1921–1958 كانت عموماً ودية، وإن لم تخلُ من احتكاكات. (Iranica Online)
النجف وكربلاء: تأثير ديني لا يعني سيطرة إيرانية
وجود النجف وكربلاء في العراق أعطى العلاقة مع إيران بعداً خاصاً.
فالحوزات الدينية كانت تضم علماء وطلبة من إيران والعراق ودول أخرى، وكان بعض كبار المراجع من أصول إيرانية.
لكن من الخطأ تحويل هذه الحقيقة إلى استنتاج أن المرجعية الدينية العراقية كانت أداة في يد الحكومة الإيرانية.
فالمرجعية في النجف احتفظت باستقلالها، بل إن العلماء ذوي الأصول الإيرانية لم يكونوا بالضرورة مؤيدين للحكومة في طهران.
كما أن رجال الدين الشيعة في العراق كانوا جزءاً من الحركة الوطنية العراقية نفسها، وشارك بعضهم في معارضة النفوذ البريطاني والمعاهدة العراقية البريطانية. (Iranica Online)
وهنا ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:
العلاقة الدينية مع إيران، والانتماء المذهبي، والنفوذ السياسي للحكومة الإيرانية.
لم تكن هذه الأمور شيئاً واحداً.
شط العرب: النزاع الذي لم يختفِ
أصبح شط العرب أهم قضية استراتيجية بين البلدين.
فالعراق ورث إلى حد كبير الترتيبات الحدودية العثمانية السابقة، بينما كانت إيران تطالب بأن يكون الخط الحدودي في المجرى الملاحي وفق مبدأ التالوك، أي أعمق خط صالح للملاحة.
الأهمية بالنسبة للعراق واضحة: شط العرب منفذه البحري الرئيسي.
أما إيران فكانت تعتمد على الممر للوصول إلى منشآت وموانئ خوزستان، ومنها عبادان.
وهكذا أصبحت مسألة تبدو فنية في ظاهرها جزءاً من سؤال أكبر:
من يمتلك اليد العليا في الخليج وشط العرب؟
وسيستمر هذا النزاع، بأشكال مختلفة، لأكثر من نصف قرن.
المصالح المشتركة: الموصل والأكراد
رغم النزاع الحدودي، لم تكن العلاقة عدائية دائماً.
في قضية الموصل مثلاً، لم تؤيد إيران المطالب التركية بالولاية. فطهران لم ترغب في توسع تركي على حدودها، كما كانت تخشى من أي ترتيب قد يشجع الحركة الكردية الانفصالية.
وهنا التقت مصالح بغداد وطهران.
كلتاهما كان لديها سكان أكراد، وكلتاهما تريد الحفاظ على وحدة الدولة المركزية.
ولذلك كان الملف الكردي في عهد الملكية عاملاً للتعاون أكثر منه أداة صراع.
هذه نقطة مهمة لأن الصورة ستنقلب لاحقاً، عندما تبدأ إيران في استخدام الحركة الكردية العراقية كورقة ضغط على بغداد.
اتفاق 1937: محاولة لتنظيم الجوار
في سنة 1937 توصل العراق وإيران إلى معاهدة حدودية، ثم شاركا مع تركيا وأفغانستان في ميثاق سعد آباد.
كان الهدف هو تخفيف التوترات وبناء نظام إقليمي يقوم على احترام الحدود وعدم التدخل.
لم تحل معاهدة 1937 كل الخلافات، لكنها مثّلت فلسفة العلاقة في تلك المرحلة:
التفاوض بدلاً من استخدام الجماعات الداخلية ضد الدولة المجاورة.
وكان البلدان يريان أن الاستقرار الداخلي والإقليمي مصلحة مشتركة. (Iranica Online)
الخمسينيات: تحالف الملكيتين
خلال الخمسينيات ازداد التقارب.
فالعراق الملكي وإيران الشاهنشاهية أصبحا أكثر ارتباطاً بالغرب، وأكثر خوفاً من الشيوعية والاتحاد السوفيتي.
وتجسد ذلك في حلف بغداد سنة 1955 الذي ضم العراق وتركيا وبريطانيا ثم إيران وباكستان.
وفي هذه المرحلة لم تكن طهران تنظر إلى بغداد باعتبارها خصماً يجب إضعافه، بل شريكاً في نظام أمني إقليمي موالٍ للغرب. (Iranica Online)
وهذا يؤكد نقطة مهمة:
خلال العهد الملكي لم يكن الهدف الإيراني إضعاف الدولة العراقية أو التحكم بحكومتها.
كانت هناك خلافات، لكنها بقيت في معظم الأحيان ضمن إطار العلاقة بين دولتين مستقلتين.
1958: نقطة التحول الكبرى
أحدثت ثورة 14 تموز 1958 تغييراً جذرياً.
سقطت الملكية العراقية، وقُتل الملك فيصل الثاني ونوري السعيد وعبد الإله، وانسحب العراق لاحقاً من حلف بغداد.
بالنسبة إلى شاه إيران، كان الحدث خطيراً.
لم يعد العراق جاراً ملكياً محافظاً وحليفاً للغرب، بل أصبح جمهورية ثورية تتحرك بين القومية العربية والاتحاد السوفيتي وتحدي النظام الإقليمي القائم.
وتصف المصادر انقلاب 1958 بأنه نقطة بداية مرحلة ازداد فيها التوتر بين البلدين بصورة كبيرة، خصوصاً مع اقتراب بغداد من موسكو بينما توثقت علاقة إيران بالولايات المتحدة والغرب. (Iranica Online)
من هنا بدأت العلاقة تنتقل من:
جوار وتفاوض
إلى:
تنافس استراتيجي.
الستينيات: بداية استخدام أوراق الداخل
خلال الستينيات بدأت العلاقة تصبح أكثر تدخلاً في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
برزت القضية الكردية بصورة خاصة.
فإيران التي كانت في العهد الملكي العراقي تخشى الحركة الكردية، بدأت ترى في أكراد العراق أداة للضغط على بغداد.
وفي المقابل اتجه العراق إلى استخدام الخطاب العربي في خوزستان والحديث عن عرب الإقليم والهوية العربية للمنطقة.
وهكذا دخل البلدان مرحلة جديدة:
إذا ضغطت عليّ داخل حدودي، أضغط عليك داخل حدودك.
وكانت هذه بداية سياسة ستصبح أكثر وضوحاً في السبعينيات.
1968–1975 صراع النفوذ
بعد عودة حزب البعث إلى السلطة في بغداد سنة 1968، تصاعد التوتر.
كان العراق يطرح نفسه قوة عربية ثورية، بينما كانت إيران في عهد محمد رضا شاه تبني قوة عسكرية كبيرة بدعم أمريكي وتطمح إلى أن تصبح القوة الرئيسية في الخليج بعد الانسحاب البريطاني.
وهنا أصبح الصراع يتجاوز شط العرب.
السؤال أصبح:
من القوة الرئيسية في الخليج؟ بغداد أم طهران؟
دعمت إيران تمرد مصطفى البارزاني في شمال العراق، وقدمت له السلاح والمال والممرات الآمنة. كما دخل الدعم الأمريكي والإسرائيلي إلى الحركة الكردية عبر إيران. وتشير المصادر إلى أن الدعم الإيراني كان عنصراً أساسياً في قدرة التمرد الكردي على الصمود أمام الجيش العراقي. (Iranica Online)
هذه المرحلة تمثل تحولاً تاريخياً مهماً:
إيران لم تعد تتعامل فقط مع الحكومة العراقية، بل بدأت تستخدم قوة عراقية داخلية للضغط على بغداد.
اتفاق الجزائر 1975
عجز العراق عن إنهاء التمرد الكردي عسكرياً طالما استمر الدعم الإيراني.
وفي مارس/آذار 1975 التقى صدام حسين، وكان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، بالشاه محمد رضا بهلوي في الجزائر بوساطة الرئيس هواري بومدين.
قبل العراق مبدأ التالوك في شط العرب مقابل وقف إيران دعم الحركة الكردية.
وتوقف الدعم الإيراني بسرعة، وانهار التمرد الكردي بعد فترة قصيرة. (Iranica Online)
هذه الحادثة مهمة جداً لفهم السياسة الإيرانية تجاه العراق:
لم يكن دعم الأكراد في تلك المرحلة نابعاً أساساً من التزام إيراني بحقوقهم القومية.
عندما حصلت إيران على ما أرادته في الحدود، توقفت المساعدة.
أي أن الورقة الكردية كانت أداة تفاوضية في صراع الدولتين.
1979: الثورة الإيرانية تغير كل شيء
جاءت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 لتغير طبيعة الصراع مرة أخرى.
قبلها كان الخلاف بين نظامين علمانيين تقريباً يتنافسان على الحدود والقوة الإقليمية.
بعد الثورة ظهر عنصر جديد:
الأيديولوجيا.
آية الله الخميني لم يرَ نظام صدام حسين مجرد خصم إقليمي، بل نظاماً بعثياً علمانياً يجب تغييره، بينما خافت بغداد من تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق وخصوصاً إلى البيئة الشيعية.
وتشير الدراسات إلى أن العلاقات تدهورت سريعاً بسبب مزيج من النزاعات الحدودية، والتنافس الإقليمي، والعداء الأيديولوجي، ودعم كل طرف جماعات معارضة للطرف الآخر. (Iranica Online)
1980–1988 الحرب
في 22 سبتمبر/أيلول 1980 بدأ الغزو العراقي لإيران، وتحول النزاع إلى حرب استمرت ثماني سنوات.
الأسباب كانت متعددة:
شط العرب، واتفاق الجزائر، وطموح العراق الإقليمي، وخوف بغداد من الثورة الإيرانية، والاضطراب الذي أصاب الجيش الإيراني بعد الثورة، والصراع بين نظامين يريد كل منهما منع الآخر من تهديده داخلياً. (Iranica Online)
لكن الحرب أثبتت أيضاً نقطة مهمة في تاريخ المجتمع العراقي.
على الرغم من أن إيران حاولت تقديم الصراع أحياناً بمنطق إسلامي وثوري، فإن الغالبية الساحقة من الشيعة العراقيين قاتلوا ضمن الجيش العراقي باعتبارهم عراقيين.
وهذا دليل تاريخي مهم ضد الاختزال الذي يربط الهوية الشيعية العراقية تلقائياً بإيران. (Iranica Online)
الثمانينيات: إيران تبني علاقات مع المعارضة العراقية
في الوقت نفسه بدأت طهران بناء علاقات عميقة مع قوى عراقية معارضة لصدام حسين.
تأسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في إيران سنة 1982، وظهرت قوات بدر التي ضمت عراقيين شيعة عملوا إلى جانب إيران.
وهنا بدأت إيران تبني ما سيصبح لاحقاً رأس مال سياسياً وأمنياً بالغ الأهمية داخل العراق. (Iranica Online)
هذه المرحلة مختلفة جذرياً عن العهد الملكي.
فإيران أصبحت الآن:
تستضيف المعارضة العراقية، وتمولها، وتدرب جزءاً منها، وتبني علاقات طويلة الأمد معها.
1988–2003 الحرب تنتهي لكن الصراع لا ينتهي
بعد وقف إطلاق النار سنة 1988، بدأت محاولات بطيئة لإعادة تنظيم العلاقة.
وعندما غزا العراق الكويت سنة 1990، قبل صدام عملياً العودة إلى اتفاق الجزائر وأعلن قبول عدد من المطالب الإيرانية المرتبطة بالحدود وتبادل الأسرى.
أما إيران فعارضت احتلال الكويت، لكنها لم تدخل الحرب إلى جانب التحالف الغربي وحافظت على ما وصفته المصادر بسياسة الحياد النشط. (Iranica Online)
وفي التسعينيات بقي العراق ضعيفاً تحت العقوبات، بينما احتفظت إيران بعلاقاتها مع قوى المعارضة العراقية، وخصوصاً الأحزاب الشيعية وبعض القوى الكردية.
وهكذا دخلت طهران سنة 2003 وهي تعرف كثيراً من الشخصيات والأحزاب التي ستصبح جزءاً من النظام العراقي الجديد.
2003 التحول الأكبر في تاريخ النفوذ الإيراني
أدى الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 وإسقاط نظام صدام حسين إلى أكبر تحول في ميزان القوى بين العراق وإيران منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
لقد سقط الجيش العراقي، وحُلّت مؤسسات أمنية رئيسية، وانهارت الدولة المركزية بدرجة كبيرة.
وفي الوقت نفسه عاد إلى العراق سياسيون وأحزاب أمضى بعضهم سنوات طويلة في إيران أو كانت لديهم علاقات وثيقة معها.
هنا أصبحت إيران تمتلك مجموعة من أدوات النفوذ في الوقت نفسه:
علاقات مع أحزاب سياسية، وعلاقات مع جماعات مسلحة، ونفوذاً اقتصادياً وتجارياً، وصلات دينية، وحدوداً مفتوحة نسبياً، وقدرة أمنية واستخبارية.
وتشير الدراسات إلى أن إيران بعد 2003 أصبحت لاعباً رئيسياً في التوازنات السياسية العراقية، مع علاقات وثيقة بعدد من الأحزاب والفصائل المسلحة، وإن ظل المجتمع العراقي، بما فيه جزء كبير من الشيعة، محتفظاً بهوية وطنية مستقلة عن إيران.
وهذه نقطة مهمة جداً:
نفوذ إيران بعد 2003 لا يعني أن العراق أصبح إيرانياً، ولا أن الشيعة العراقيين أصبحوا تابعين لطهران.
فداخل المجتمع الشيعي نفسه ظهرت اتجاهات عراقية واضحة ترفض ولاية الفقيه أو النفوذ السياسي الإيراني، كما بقيت مرجعية النجف مختلفة في رؤيتها عن النموذج السياسي الإيراني.
لكن ضعف الدولة العراقية أعطى طهران فرصة لم تكن موجودة في العهد الملكي ولا في معظم مراحل الجمهورية السابقة.
من الجوار إلى الاختراق: كيف تغيرت طبيعة العلاقة؟
عند مراجعة قرن كامل تقريباً يمكن تقسيم العلاقة إلى مراحل واضحة:
1921–1958 جوار، حدود، تجارة، علاقات دينية، تفاوض، وتعاون بين دولتين ملكيتين.
1958–1968 انتقال إلى التنافس الاستراتيجي بعد سقوط النظام الملكي العراقي.
1968–1975 صراع نفوذ مباشر واستخدام أوراق داخلية، وخصوصاً الحركة الكردية.
1975–1979 تهدئة مرحلية بعد اتفاق الجزائر.
1979–1988 تحول الصراع إلى مواجهة أيديولوجية وعسكرية شاملة.
1988–2003 سلام متوتر مع استمرار إيران في بناء علاقات مع المعارضة العراقية.
بعد 2003:
انتقال من التأثير الخارجي إلى قدرة أوسع على التأثير داخل العملية السياسية والأمنية العراقية.
وهذا التطور هو الذي يجب أن يبقى أمامنا عندما نستخدم كلمة النفوذ الإيراني.
فالنفوذ سنة 1935 ليس النفوذ نفسه سنة 1974، والنفوذ سنة 1974 ليس النفوذ نفسه سنة 2010.
أين يقع الخطأ في قراءة التاريخ؟
هناك خطآن متعاكسان.
الأول هو القول إن إيران كانت منذ تأسيس العراق تتعامل معه بالطريقة نفسها التي تعاملت بها معه بعد 2003.
هذا غير صحيح.
والثاني هو القول إن النفوذ الإيراني بعد 2003 مجرد استمرار طبيعي للعلاقات الدينية والاجتماعية التاريخية.
وهذا أيضاً غير صحيح.
العلاقة الدينية بين النجف وإيران قديمة، لكن النفوذ السياسي والأمني المنظم للدولة الإيرانية داخل العراق ظاهرة تطورت نتيجة ظروف سياسية محددة، وخاصة ضعف الدولة العراقية والحروب والتحولات التي أعقبت 2003.
ولذلك يجب دائماً التفريق بين:
التأثير الحضاري والديني،
والعلاقات الطبيعية بين دولتين متجاورتين،
والتنافس الاستراتيجي،
والتدخل في الشؤون الداخلية.
لماذا كان لا بد من هذا الاستطراد؟
وهنا نعود إلى السبب الذي دفعنا إلى الابتعاد مؤقتاً عن تحليل التطور الداخلي للدولة العراقية.
نريد أن نفهم لاحقاً لماذا كان الملك فيصل الأول قوياً سياسياً، ولماذا ضعفت قدرة الملك غازي على إدارة مراكز القوة، ولماذا أصبحت الوصاية في عهد فيصل الثاني شديدة الاعتماد على نوري السعيد وبريطانيا، ولماذا تضخم دور الجيش حتى وصل إلى انقلاب 1958.
لكن لا يمكن دراسة هذه التطورات بمعزل عن البيئة الخارجية.
فالدولة العراقية منذ تأسيسها كانت تتحرك بين قوى ومصالح متعددة:
بريطانيا من الغرب، وتركيا من الشمال، وإيران من الشرق، والسعودية والأردن من الجنوب والغرب، إضافة إلى سوريا وفلسطين والمشروع القومي العربي.
وكلما ضعفت السلطة المركزية، زادت قدرة البيئة الخارجية على التأثير في الداخل.
ومن هنا يظهر درس تاريخي مهم:
قوة الدولة في سياستها الخارجية مرتبطة مباشرة بقوة مؤسساتها في الداخل.
في العهد الملكي كانت إيران دولة مجاورة لها مصالح في العراق، لكنها لم تكن تستطيع تشكيل الحكومة العراقية أو بناء قوى عسكرية تابعة لها داخل الدولة.
وفي السبعينيات استطاعت استخدام الورقة الكردية لأن العلاقة بين بغداد والأكراد كانت في حالة حرب.
وبعد 2003 أصبح نفوذها أوسع بكثير لأن الدولة العراقية نفسها تعرضت لانهيار كبير.
إذن ليس السؤال فقط:
ماذا تريد إيران من العراق؟
بل يجب أن نسأل أيضاً:
ما الذي يسمح لأي دولة خارجية بأن تحقق ما تريده داخل العراق؟
والإجابة تقودنا مجدداً إلى موضوعنا الأصلي:
قوة الدولة، وشرعية القيادة، ووحدة المؤسسات، وقدرة الملك أو رئيس الدولة والحكومة على التحكم بالجيش ومنع القوى الداخلية من البحث عن دعم خارجي.
ولهذا فإن هذا المقال ليس خروجاً عن موضوع تطور العراق الداخلي بقدر ما هو تهيئة ضرورية للعودة إليه بصورة أدق.
فعندما نعود الآن إلى دراسة الملك فيصل الأول والملك غازي والملك فيصل الثاني، لن يكون السؤال فقط: من كان أقوى؟
بل سيكون السؤال الأعمق:
كيف نجح النظام السياسي العراقي في مرحلة في إبقاء القرار العراقي داخل مؤسسات الدولة، ولماذا بدأت هذه القدرة تضعف تدريجياً حتى أصبح الجيش ثم القوى الخارجية أكثر قدرة على التأثير في مصير العراق؟
ومن هنا يمكن أن نواصل قراءة تاريخ العراق لا بوصفه سلسلة من الحكام والانقلابات فقط، بل بوصفه صراعاً مستمراً على بناء دولة قادرة على حماية قرارها في الداخل والخارج معاً.
