بقلم: الدكتور سداد عوني الرجوب
نائب امين عام حزب نماء الاردني


ليس المولد النبوي الشريف مجرد مناسبة تمرّ علينا في التقويم، ولا ذكرى نحتفل بها بالكلمات والأناشيد ثم تنتهي بانتهاء يومها، بل هو محطة عظيمة نستعيد فيها سيرة رجل غيّر وجه التاريخ، وأخرج البشرية من ظلمات الجهل والظلم إلى نور الإيمان والرحمة والعدل.

إنه ذكرى ميلاد سيدنا محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فقال سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

وحين نتحدث عن رسول الله ﷺ، فإننا لا نتحدث عن شخصية تاريخية فحسب، بل عن مدرسة متكاملة في الأخلاق والإنسانية والقيادة والصبر والتسامح والعدل.

لقد جاء النبي ﷺ إلى مجتمع كانت تحكمه العصبية، وتنتشر فيه مظاهر الظلم، ويُهضم فيه حق الضعيف، فكان أول ما حمله للناس دعوة إلى توحيد الله، وإلى كرامة الإنسان، وإلى العدل، وإلى الرحمة.

ولم تكن عظمة الرسول ﷺ في قوله فقط، وإنما في فعله وسلوكه.

كان صادقًا قبل البعثة، أمينًا قبل الرسالة، متواضعًا رغم عظيم مكانته، رحيمًا بالضعفاء، قريبًا من الفقراء، عادلًا بين الناس، لا يفرق بين إنسان وآخر إلا بما يحمل من تقوى وعمل صالح.

وحين امتلك القوة لم يجعلها وسيلة للانتقام، وحين انتصر لم يجعل النصر بابًا للتشفي، بل جعل العفو والتسامح عنوانًا من عناوين عظمته.

وهنا تكمن الرسالة الأهم في ذكرى المولد النبوي.

أن نحتفل بمحمد ﷺ لا أن نكتفي بالحديث عنه، وأن نحب الرسول ﷺ لا أن نكتفي بترديد اسمه، وأن نقتدي به في أخلاقنا وسلوكنا وتعاملنا مع الآخرين.

فما قيمة أن نكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، ثم نظلم إنسانًا؟

وما قيمة أن نرفع أصواتنا بمدحه، ثم نسيء إلى جار أو قريب أو ضعيف؟

وما قيمة أن نتحدث عن رحمته، ونحن لا نرحم بعضنا بعضًا؟

إن أعظم احتفال بالنبي ﷺ هو أن نحاول أن نقترب من أخلاقه.

أن نكون صادقين في زمن كثرت فيه المبالغة والكذب، وأمناء في زمن أصبحت فيه بعض المصالح فوق المبادئ، رحماء في زمن قست فيه القلوب، ومتسامحين في زمن أصبحت فيه الخصومة أسرع من الحوار.

لقد علّمنا الرسول ﷺ أن قوة الأمة لا تكون بالسلاح وحده، ولا بالمال وحده، ولا بالكثرة وحدها، وإنما تكون بالإنسان الذي يحمل الأخلاق والمبدأ والمسؤولية.

ومن هنا فإن ذكرى المولد النبوي يجب أن تكون مناسبة لإعادة النظر في واقعنا العربي والإسلامي؛ في علاقتنا ببعضنا، وفي طريقة اختلافنا، وفي احترامنا للإنسان، وفي قدرتنا على تجاوز الخلافات الصغيرة من أجل القضايا الكبرى.

نحن بحاجة اليوم إلى روح محمد ﷺ في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا.

بحاجة إلى الرحمة في الأسرة، والعدل في العمل، والأمانة في التجارة، والنزاهة في المسؤولية، والصدق في السياسة، واحترام الإنسان في كل موقع.

وبحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أن نفهم أن الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ لم يكن دين شعارات، وإنما دين عمل ومسؤولية وإعمار للأرض وصيانة لكرامة الإنسان.

لقد عاش الرسول ﷺ بسيطًا، لكنه صنع أمة عظيمة.

لم يكن يملك قصورًا، لكنه امتلك قلوب الناس.

لم يبحث عن مجد شخصي، فخلّد الله ذكره في العالمين.

وكان إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وكان عظيم العفو، واسع الرحمة، شديد الحرص على هداية الناس وخيرهم.

ولهذا بقي محمد ﷺ حاضرًا في وجدان أكثر من مليار مسلم، وبقيت سيرته مصدر إلهام للإنسانية بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا.

إن المولد النبوي الشريف فرصة لأن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا وعميقًا:

ماذا غيّر فينا حبنا لرسول الله ﷺ؟

هل جعلنا أكثر رحمة؟

هل جعلنا أكثر صدقًا؟

هل جعلنا أكثر تسامحًا؟

هل جعلنا نحب الخير للناس؟

هل جعلنا نقف إلى جانب المظلوم؟

هل جعلنا نحترم الإنسان مهما اختلف معنا؟

إذا كان الجواب نعم، فقد بدأنا نفهم معنى الاقتداء.

أما إذا بقي المولد مجرد مظاهر واحتفالات وكلمات، ثم عدنا بعدها إلى الخصومة والظلم والقسوة والأنانية، فإننا نكون قد احتفلنا بالمناسبة ولم نصل إلى جوهرها.

إن أعظم هدية نقدمها في ذكرى مولد رسول الله ﷺ ليست كثرة الكلمات، وإنما أن نأخذ من سيرته شيئًا نطبقه في حياتنا.

فلنجعل هذا اليوم مناسبة للمحبة، وصلة الرحم، ومساعدة المحتاج، وإصلاح ذات البين، والعفو عمن أخطأ، والوقوف إلى جانب المظلوم، ونشر الخير بين الناس.

ولنجعل الصلاة والسلام على النبي ﷺ طريقًا إلى العمل بسنته، لا مجرد كلمات على الألسن.

وفي هذه المناسبة العطرة، نستذكر قول الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

سلام عليك يا رسول الله يوم وُلدت، ويوم أديت الرسالة، ويوم حملت راية الرحمة، ويوم فارقت الدنيا، ويوم تبعث حيًا.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكل عام والأمة العربية والإسلامية بخير وأمن وسلام، سائلين الله أن يعيد علينا ذكرى مولده الشريف بالخير والبركة، وأن يجمع قلوب المسلمين على المحبة والوحدة، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

محمد ﷺ ليس ذكرى نحتفل بها فقط… بل قدوة نعيش بها