بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد


يصعب تقييم ياسين الهاشمي من خلال موقع واحد في تاريخ العراق الملكي. فهو لم يكن مجرد رئيس وزراء، ولا مجرد ضابط عثماني سابق، ولا مجرد قومي عربي. كان صاحب مشروع سياسي متكامل تقريباً: دولة عراقية قوية، جيش قوي، إدارة مركزية، استقلال أوسع عن بريطانيا، ودور عربي يتجاوز حدود العراق.
لكن المشروع نفسه حمل داخله تناقضات عميقة. فكلما حاول الهاشمي تقوية الدولة، ازداد اعتماده على الجيش. وكلما حاول توحيد المجتمع تحت سلطة بغداد، اصطدم بتنوع العراق السياسي، والمذهبي، والقومي، والقبلي. وكلما ازداد نفوذه، بدأت مؤسسات الدولة نفسها تشعر بأن رئيس الوزراء أصبح مركز قوة ينافس القصر والخصوم السياسيين.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل كان ياسين الهاشمي رجل دولة قومياً يسعى إلى بناء عراق قوي ومستقل، أم أن إيمانه بالدولة المركزية دفعه تدريجياً نحو حكم سلطوي أضعف التعددية السياسية التي كان العراق يحتاج إليها؟
من ضابط عثماني إلى قومي عربي
ولد ياسين الهاشمي في بغداد سنة 1884 تقريباً، وتلقى تعليماً عسكرياً عثمانياً متقدماً، وأصبح من الضباط المحترفين في الجيش العثماني.
لم يبدأ حياته السياسية ثائراً على الدولة العثمانية. شأنه شأن كثير من الضباط العرب في ذلك الزمن، بدأ مسيرته داخل المؤسسة العسكرية العثمانية، ثم تطورت لديه تدريجياً فكرة القومية العربية، خصوصاً مع تصاعد التوتر بين السلطة المركزية العثمانية والنخب العربية.
وبعد انهيار الدولة العثمانية سنة 1918، أصبح من أبرز الضباط الذين عملوا مع الأمير فيصل في دمشق، وارتبط بالمشروع العربي الذي حاول إنشاء دولة مستقلة في سوريا.
وكانت تلك التجربة حاسمة في تشكيل شخصيته السياسية.
فهو خرج من دمشق بقناعة مزدوجة: العرب بحاجة إلى الاستقلال، لكن الاستقلال يحتاج إلى دولة وجيش وقوة حقيقية، لا إلى الشعارات وحدها. ومن هنا بدأت تتشكل فلسفته التي سترافقه لاحقاً في العراق.
من المشروع العربي في دمشق إلى الدولة العراقية
بعد سقوط المملكة العربية السورية أمام الفرنسيين سنة 1920، انتقل مركز نشاط الهاشمي السياسي إلى العراق.
لكنه لم يتحول من قومي عربي إلى قومي عراقي ضيق؛ بل بقي يرى أن العراق جزء من فضاء عربي أوسع، وأن الدولة العراقية يمكن أن تصبح قاعدة لقوة عربية أكبر.
وهنا يختلف نسبياً عن بعض رجال الدولة العراقية الذين أصبح اهتمامهم الأساسي منصباً على تثبيت مؤسسات العراق وحدوده وعلاقاته الدولية.
كان الهاشمي يريد الأمرين معاً: دولة عراقية قوية، ومشروع عربي أوسع.
ولذلك أصبحت سوريا وفلسطين، ومعهما شرق الأردن بحكم موقعه وصلته بالمشروع العربي الهاشمي، جزءاً مهماً من رؤيته السياسية، ولم يرَ أن استقلال العراق وحده يكفي إذا بقيت أجزاء أساسية من المشرق العربي تحت الانتداب والنفوذ الأجنبي.
صعوده في الدولة العراقية
دخل ياسين الهاشمي الحياة السياسية العراقية بقوة، وتولى مناصب وزارية وبرلمانية متعددة، وأصبح من أبرز رجال المعارضة قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة.
تولى رئاسة الوزراء مرتين، وكانت رئاسته الثانية بين عامي 1935 و1936 هي المرحلة الأهم في حياته السياسية.
في هذه المرحلة لم يعد مجرد رئيس حكومة، بل أصبح صاحب نفوذ واسع في البرلمان والإدارة والجيش والحركة القومية.
وكان يريد تنفيذ مشروع واضح: تقوية الحكومة المركزية، وتوسيع الجيش، وإقرار التجنيد، وتعزيز سيطرة الدولة على جميع أنحاء البلاد، وتقليص قدرة القوى المحلية والقبلية على تحدي بغداد.
وهنا بدأ خصومه يتهمونه بالسعي إلى بناء حكم شخصي قوي.
علاقته بجعفر العسكري ونوري السعيد
كان ياسين الهاشمي جزءاً من الجيل نفسه الذي ضم جعفر العسكري ونوري السعيد، وجمعت الثلاثة خلفية عسكرية عثمانية وتجربة سياسية متصلة بالثورة العربية وبناء الدولة العراقية، لكنهم اختلفوا في الأسلوب وفي نظرتهم إلى بريطانيا ودور الدولة.
كانت علاقة ياسين بـ جعفر العسكري أقرب إلى علاقة الشراكة داخل المشروع السياسي نفسه. كلاهما كان ضابطاً عثمانياً سابقاً وقومياً عربياً، وكلاهما ساهم في بناء الدولة العراقية والجيش. لكن جعفر كان أكثر استعداداً للتسوية السياسية والتعاون المرحلي مع بريطانيا، بينما كان ياسين أكثر تشدداً في تقليص النفوذ البريطاني وأكثر ميلاً إلى تركيز سلطة الدولة. ولم تكن الخلافات بينهما خصومة جوهرية؛ والدليل أن جعفر كان وزير الدفاع في حكومة ياسين سنة 1936، وقُتل أثناء محاولته وقف انقلاب بكر صدقي الذي أطاح بحكومة ياسين.
أما علاقته بـ نوري السعيد فكانت أكثر تنافساً. كلاهما كان قومياً عربياً ورجل دولة ذا طموح كبير، لكن نوري رأى أن التحالف مع بريطانيا يمثل عنصراً استراتيجياً مهماً لأمن العراق وموقعه الإقليمي، بينما كان ياسين يريد عراقاً أقل اعتماداً عليها وأكثر استقلالاً في قراره. ولذلك امتزجت العلاقة بينهما بالتعاون في بعض المراحل والمنافسة على النفوذ داخل الحكومة والقصر والجيش في مراحل أخرى.
ويمكن القول باختصار إن الثلاثة مثلوا اتجاهات مختلفة داخل النخبة العراقية المبكرة: جعفر العسكري رجل دولة توافقي، وياسين الهاشمي قومي مركزي، ونوري السعيد رجل تحالفات واستراتيجية دولية.
رجل دولة أم زعيم سلطوي؟
لم يكن ياسين الهاشمي دكتاتوراً بالمعنى الكامل للكلمة. لم يلغِ الملكية، ولم يُلغِ البرلمان، ولم يؤسس نظام حزب واحد أو نظاماً شمولياً. لكن حكومته الثانية أظهرت بلا شك نزعة سلطوية واضحة.
ازداد نفوذ الحكومة في البرلمان، وتعرضت بعض الصحف المعارضة للتضييق، واستخدم الجيش لقمع عدد من الانتفاضات الداخلية، كما ازداد اعتماد الدولة على الإدارة المركزية والأجهزة العسكرية.
وكان منطقه بسيطاً: العراق لا يستطيع أن يصبح دولة قوية إذا بقيت السلطة موزعة بين الحكومة وشيوخ القبائل والزعامات المحلية والقوى الأجنبية.
لكن المشكلة أن هذا المنطق يمكن أن يتحول بسهولة إلى: الدولة تحتاج إلى قيادة قوية، والقيادة القوية تحتاج إلى تقليل قدرة المعارضة على تعطيلها.
وهنا يصبح الخط الفاصل بين بناء الدولة وتركيز السلطة خطاً دقيقاً جداً.
علاقته بالملك فيصل الأول
كانت علاقته بفيصل الأول علاقة شراكة وحذر في آن واحد. جمعهما المشروع العربي في دمشق، وكان الاثنان يؤمنان بالعروبة وبضرورة بناء دولة عراقية قوية. لكن شخصيتيهما وأساليبهما اختلفتا.
فيصل كان أكثر واقعية ومرونة، وأكثر استعداداً للتدرج في التعامل مع بريطانيا والقوى العراقية المختلفة. أما ياسين فكان أكثر اندفاعاً نحو بناء القوة العراقية، وأكثر شكاً في النوايا البريطانية، وأقل استعداداً للقبول بأن تبقى الحكومة محدودة الحركة بسبب نفوذ القصر أو البريطانيين.
ولهذا لم يكن فيصل يرفض ياسين، لكنه كان حريصاً على ألا يصبح مركز قوة مستقل عن الملك.
يمكن القول إن فيصل كان يريد استيعاب ياسين داخل النظام، بينما كان ياسين يريد أن يكون رئيس الوزراء شريكاً حقيقياً في صنع القرار لا مجرد منفذ لسياسة القصر.
علاقته بالملك غازي
بعد وفاة فيصل سنة 1933 وتولي الملك غازي، تغير التوازن.
كان غازي شاباً أقل خبرة من والده، بينما أصبح ياسين واحداً من أقوى رجال العراق وأكثرهم خبرة وتنظيماً.
ولم يكن الخلاف بينهما خلافاً بين ملك موالٍ لبريطانيا ورئيس وزراء قومي، لأن غازي نفسه كان ذا ميول قومية عربية.
المشكلة كانت أعمق: من يقود الدولة فعلياً؟
هل القصر هو مركز القرار؟ أم الحكومة؟ أم الجيش الذي بدأ يتحول إلى قوة سياسية؟
لم يسعَ ياسين إلى إسقاط الملكية، لكنه أصبح من القوة بحيث لم يعد يعتمد بالكامل على رضا القصر.
وهذا جعل العلاقة بين رئيس الوزراء والملك أكثر حساسية، وساهم في خلق البيئة التي أصبح فيها انقلاب 1936 ممكناً.
موقفه من بريطانيا
لم يكن ياسين الهاشمي رجل مواجهة عسكرية مع بريطانيا، لكنه كان أقل ثقة بها من جعفر العسكري وأقل ارتباطاً بها من نوري السعيد.
كان يرى أن النفوذ البريطاني، حتى بعد استقلال العراق ودخوله عصبة الأمم سنة 1932، بقي قيداً على استقلال القرار العراقي.
فالمعاهدات أبقت لبريطانيا نفوذاً عسكرياً واستراتيجياً مهماً، واستمر وجودها في القواعد والمصالح المرتبطة بالنفط والسياسة الخارجية.
ولذلك كان الهاشمي يريد أن يصبح العراق أقل اعتماداً على بريطانيا.
وكان الجيش بالنسبة إليه أداة أساسية لتحقيق ذلك.
كلما أصبح الجيش العراقي أقوى، أصبحت الدولة أقل حاجة إلى القوة البريطانية.
لكن ياسين لم يكن عقائدياً إلى درجة رفض التعاون معها عندما تتفق المصالح.
في قضية الموصل مثلاً، تعاونت الحكومة العراقية مع بريطانيا لأن الطرفين أرادا بقاء الموصل ضمن العراق.
وهذا يوضح أن سياسته لم تكن قائمة على معادلة: بريطانيا عدو دائماً.
بل كانت تقوم على: التعاون عندما تخدم العلاقة مصلحة العراق، ومقاومة النفوذ عندما يقيد سيادته.
سوريا: المجال الأقرب إلى مشروعه العربي
كانت سوريا أقرب البلدان العربية إلى وجدان ياسين الهاشمي السياسي.
فقد عاش تجربة فيصل في دمشق، وارتبط بشبكة القوميين العرب فيها، وظل ينظر إليها باعتبارها جزءاً من المجال العربي الذي ينبغي أن يتحرر من الانتداب الفرنسي. ولذلك لم يكن غريباً أن يحظى بمكانة كبيرة لدى القوميين السوريين.
وعندما توفي في المنفى سنة 1937، تحولت جنازته في دمشق إلى تظاهرة قومية عربية، ودُفن بالقرب من ضريح صلاح الدين.
وكانت هذه النهاية ذات دلالة رمزية كبيرة: رئيس وزراء عراقي سابق يُدفن في دمشق بوصفه أحد رموز المشروع العربي، لا مجرد سياسي عراقي.
الأردن
كانت علاقته بالأردن جزءاً من البيئة السياسية التي خرجت من الثورة العربية الكبرى وتجربة الحكم العربي في دمشق.
كان يرى شرق الأردن دولة عربية شقيقة ضمن فضاء سياسي وتاريخي مشترك، لكنه لم يرتبط بعمان بالدرجة نفسها التي ارتبط بها جعفر العسكري أو رجال آخرون قريبون مباشرة من الأسرة الهاشمية.
ومع ذلك فإن موقع الأردن كان مهماً في نظرته إلى المشرق العربي، ولا سيما بسبب تداخله الجغرافي والسياسي مع سوريا وفلسطين والعراق.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى فلسطين في فكر رجال ذلك الجيل بمعزل عن الأردن؛ فشرق الأردن وفلسطين كانا جزءاً من المجال الذي أعيد تشكيله سياسياً بعد الحرب العالمية الأولى، وكان استقرار الأردن ودوره السياسي مرتبطين مباشرة بما يجري في فلسطين.
بالنسبة إلى ياسين، بقيت بغداد ودمشق المحورين الأهم، لكن الأردن كان حلقة أساسية بين العراق وفلسطين وسوريا في التصور الإقليمي الأوسع.
السعودية
أما علاقته بالسعودية، فمن الأفضل فهمها بمنطق الدولة والمصالح العملية.
كانت الملفات الأساسية هي: الحدود، وحركة القبائل، والمراعي، والمياه، ومنع الغارات والحوادث الأمنية عبر المناطق الصحراوية.
كان ياسين يريد أن تكون العلاقة قائمة على التفاوض وتنظيم الحدود وضبط حركة القبائل، لا على جعل الصحراء منطقة مفتوحة تستطيع القوى المحلية التحرك فيها بعيداً عن سلطة الدولة.
وهذا يتفق تماماً مع فلسفته العامة في الحكم: الدولة يجب أن تعرف حدودها، وأن تفرض القانون فيها، وأن تحول القضايا القبلية من نزاعات محلية إلى ملفات تعالجها الحكومات بالتفاوض.
مصر
لم تكن مصر مركزاً مباشراً في مشروع ياسين السياسي مثل سوريا، لكنها كانت مركزاً عربياً مهماً في الثقافة والسياسة والصحافة والنضال من أجل الاستقلال.
وكانت التجربة المصرية في التفاوض مع بريطانيا ذات أهمية واضحة للقوميين العرب.
وقد كان الهاشمي يرى في مصر قوة عربية كبرى يمكن أن يكون لها دور في بناء نظام عربي أكثر استقلالاً عن القوى الأوروبية.
إيران
مع إيران، تحولت قوميته العربية إلى سياسة دولة تقليدية. فالعلاقة لم تكن قائمة على مشروع وحدوي، بل على الحدود والسيادة وشط العرب وحركة القبائل والأكراد والمصالح الاقتصادية والأمنية.
ولم تكن المسألة في جوهرها صراعاً مذهبياً سنياً-شيعياً، بل علاقة بين دولتين تحاول كل منهما بناء سلطة مركزية قوية.
وبذلك كان الهاشمي يتعامل مع إيران أساساً بصفته رئيس حكومة عراقية مسؤولاً عن حماية مصالح الدولة.
فلسطين والأردن: القضية التي اختبرت القومية والسياسة
كانت فلسطين من القضايا التي أظهرت بوضوح التوتر بين قومية الهاشمي والسياسة البريطانية، كما أن الأردن لا يمكن فصله عن هذا الملف بحكم موقعه الجغرافي وصلاته الهاشمية وكونه الجسر المباشر بين العراق وفلسطين.
بحلول الثلاثينيات أصبحت فلسطين قضية عربية عامة، ولم يعد ممكناً بالنسبة إلى قومي مثل ياسين التعامل معها باعتبارها شأناً فلسطينياً محلياً.
وكانت الهجرة الصهيونية، وسياسة الانتداب البريطاني، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936 تجعل فلسطين اختباراً لصدقية المشروع القومي العربي.
وفي هذا السياق كان شرق الأردن ذا أهمية خاصة. فالأمير عبدالله كان يحكم بلداً ملاصقاً لفلسطين، ويرتبط بالعراق بعلاقات هاشمية وسياسية وثيقة، ولذلك كانت أي أزمة فلسطينية ذات انعكاس مباشر على الأردن وعلى حسابات بغداد أيضاً.
ومن هنا كان ياسين يرى أن على العراق المستقل مسؤولية سياسية ومعنوية تجاه فلسطين، وأن الأردن جزء أساسي من البيئة العربية التي يجب أخذها في الاعتبار عند التعامل مع القضية الفلسطينية.
لكنه، مثل غيره من رجال الدولة، كان يعلم أن العراق والأردن لا يستطيعان خوض مواجهة عسكرية مفتوحة مع بريطانيا في تلك المرحلة.
لذلك بقي موقفه بين: الدعم العربي والسياسي لفلسطين، والتنسيق مع المحيط العربي وفي مقدمته الأردن، والواقعية الدولية في التعامل مع بريطانيا.
وهنا تظهر واحدة من أهم خصائصه: لم يكن ينظر إلى فلسطين بمعزل عن الجغرافيا السياسية للمشرق؛ بل ضمن شبكة مترابطة تضم العراق، وسوريا، والأردن، وفلسطين.
الشيعة: المشكلة لم تكن مذهبية فقط
من أكثر الملفات حساسية في عهده علاقته بالشيعة.
كان الشيعة يمثلون نسبة كبيرة من سكان العراق، لكن تمثيلهم في الوظائف العليا والجيش والدولة لم يكن متناسباً مع وزنهم السكاني. ولهذا ظهرت مطالب بالإصلاح والتمثيل السياسي والإداري.
لم يكن ياسين، في تقديري، صاحب مشروع طائفي ضد الشيعة، لكن مشكلته كانت أنه رأى كثيراً من الاحتجاجات من زاوية سلطة الدولة والنظام العام أكثر مما رآها من زاوية التمثيل السياسي.
وعندما تحولت بعض الاضطرابات إلى مواجهات مسلحة في 1935، استخدمت حكومته الجيش لقمعها.
وبعد ذلك حاول استيعاب بعض الزعامات داخل النظام السياسي والبرلمان.
أي أن أسلوبه كان في كثير من الأحيان: فرض سلطة الدولة أولاً، ثم التفاوض والاستيعاب.
لكن هذا الأسلوب لم يعالج جذور الشعور بعدم التوازن في المشاركة السياسية.
الأكراد
مع الأكراد ظهر تناقض قوميته العربية بصورة أكثر وضوحاً.
كان الهاشمي يريد عراقاً موحداً تحت سلطة بغداد، ولم يكن مستعداً لقبول تحول الخصوصية الكردية إلى كيان سياسي مستقل داخل الدولة.
وعندما اندلعت اضطرابات مرتبطة بالتجنيد والعشائر والمطالب المحلية، استخدمت الحكومة الجيش لفرض سلطة الدولة.
ومن وجهة نظر الهاشمي، كانت القضية قضية سيادة: لا يمكن أن تكون هناك منطقة عراقية ترفض قوانين الحكومة المركزية.
لكن من وجهة نظر بعض الأكراد، كانت سياسة بغداد تبدو محاولة لفرض نموذج دولة عربية مركزية على مجتمع ذي هوية قومية مختلفة. وهنا ظهرت مشكلة ستستمر في تاريخ العراق لعقود طويلة.
القبائل والتجنيد
كان الصراع مع القبائل ربما أوضح تعبير عن مشروع ياسين المركزي.
كان يريد تحويل العراق من دولة تعتمد على تحالف الحكومة مع شيوخ القبائل إلى دولة يخضع الجميع فيها لقانون واحد.
وكان التجنيد الإجباري جزءاً أساسياً من هذا المشروع.
بالنسبة إليه، التجنيد لم يكن مجرد حاجة عسكرية، بل وسيلة لبناء هوية وطنية.
الشاب من الجنوب والشمال والوسط يخدم في الجيش نفسه، تحت العلم نفسه، ويتعلم الانضباط والولاء للدولة.
لكن القبائل رأت في ذلك أحياناً اعتداءً على استقلالها التقليدي وسلطة شيوخها.
وهنا وقع الصدام بين: الدولة الحديثة والسلطة المحلية التقليدية.
الإيزيديون والآشوريون
في سنجار اندلعت مقاومة إيزيدية للتجنيد وسلطة الدولة المركزية، واستخدمت حكومة ياسين الجيش لقمعها بقوة.
وهذا يوضح مرة أخرى أن أولويته كانت فرض مبدأ: لا توجد جماعة أو منطقة خارج سلطة الدولة.
أما بالنسبة إلى الآشوريين، فيجب التمييز تاريخياً.
أحداث سميل الكبرى وقعت سنة 1933 قبل رئاسته الثانية للحكومة، ولذلك لا يصح تحميله شخصياً مسؤوليتها.
لكن موقفه العام لم يكن يقبل إنشاء ترتيبات سياسية أو أمنية تجعل أي جماعة داخل العراق خارج السيادة الكاملة لبغداد.
هل كانت قوميته جامعة؟
هذا ربما هو أصعب سؤال في تقييمه.
في نظر ياسين نفسه، كانت قوميته العربية مشروعاً جامعاً لعرب العراق من السنة والشيعة، وكانت الدولة العراقية قادرة على احتواء الأكراد وبقية المكونات ضمن المواطنة.
لكن الواقع كان أكثر تعقيداً.
فبعض الشيعة رأوا أن الدولة لا تمنحهم التمثيل الذي يستحقونه.
وبعض الأكراد لم يستطيعوا اعتبار العروبة هوية قومية لهم.
وبعض القبائل رأت المركزية تهديداً لاستقلالها التقليدي.
والإيزيديون ومكونات أخرى خشيت أن تتحول الدولة المركزية إلى قوة تفرض عليها نموذجاً لا تشارك في صياغته.
وهنا يظهر أكبر ضعف في مشروع ياسين: كان يريد أن يوحّد المجتمع عن طريق توحيد الدولة، بينما بناء الأمة يحتاج أيضاً إلى التوافق والمشاركة والشعور بالشراكة.
الجيش: أداة بناء الدولة التي أسقطت حكومته
كان ياسين مقتنعاً بأن الدولة العراقية لا تستطيع أن تكون مستقلة أو موحدة دون جيش قوي.
لكنه استخدم الجيش أيضاً في معالجة المشكلات الداخلية.
ومع مرور الوقت ازداد إحساس المؤسسة العسكرية بأنها ليست مجرد أداة تنفيذ، بل قوة قادرة على تحديد مستقبل الدولة.
ثم جاء عام 1936.
تحرك بكر صدقي عسكرياً ضد حكومة ياسين، وقتل جعفر العسكري أثناء محاولته إيقاف الانقلاب، واضطر ياسين إلى الاستقالة ومغادرة العراق.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: جعفر العسكري ساهم في تأسيس الجيش فقُتل على يد ضباطه، وياسين الهاشمي استخدم الجيش لفرض قوة الدولة فأطاح الجيش بحكومته.
لقد أصبح الجيش الذي كان يفترض أن يكون أداة الدولة منافساً للدولة على القرار السياسي.
هل كان ياسين الهاشمي ناجحاً؟
الجواب يعتمد على المعيار الذي نستخدمه.
إذا كان المعيار هو بناء دولة مركزية ذات جيش قوي وإدارة قادرة على فرض القانون، فقد كان لديه مشروع واضح وقدرة كبيرة على التنفيذ.
أما إذا كان المعيار هو بناء نظام سياسي قادر على استيعاب تنوع العراق والتوفيق بين مكوناته وإبقاء الجيش خارج السياسة، فهنا كانت تجربته أقل نجاحاً.
لقد أراد أن ينتقل بالعراق بسرعة من مجتمع متعدد مراكز القوة إلى دولة حديثة مركزية.
لكن السرعة التي حاول بها تنفيذ المشروع، واستخدامه الجيش، وضعف التمثيل السياسي لبعض الفئات، أدت إلى مقاومة بدل أن تحقق دائماً الاندماج.
الخلاصة
لا أرى أن منصفاً أن يُختزل ياسين الهاشمي في وصف الدكتاتور، كما لا أرى أن من الصحيح تقديمه باعتباره بطلاً قومياً لم يخطئ.
كان صاحب مشروع دولة حقيقي.
أراد عراقاً: مستقلاً، قوياً، عربياً، ذا جيش حديث، وإدارة مركزية، ودور إقليمي مؤثر.
وكان أقل ثقة ببريطانيا من بعض رجال الدولة المعاصرين له، وأكثر ارتباطاً بالمشروع القومي العربي، وأشد إيماناً بأن القوة المنظمة ضرورية لتحقيق الاستقلال.
لكنه لم يعمل في فراغ. فقد كان جزءاً من نخبة عراقية قوية ضمت جعفر العسكري ونوري السعيد وغيرهما، وكانت خلافاتهم في الأسلوب والتحالفات وطبيعة العلاقة مع بريطانيا جزءاً من الصراع على تحديد اتجاه الدولة العراقية نفسها.
كما أن نظرته الإقليمية لم تكن تقتصر على العراق وسوريا. فقد كان ينظر إلى الأردن وفلسطين باعتبارهما جزءاً مترابطاً من المشهد العربي في المشرق، خصوصاً عندما بدأت فلسطين تتحول إلى قضية عربية مركزية في الثلاثينيات.
لكن مشكلته الأساسية بقيت أنه أعطى لقوة الدولة وزناً أكبر مما أعطى أحياناً للتوافق داخل الدولة.
وكان يعتقد أن الدولة المركزية القوية ستنتج مع الزمن مجتمعاً موحداً.
بينما أظهر تاريخ العراق أن المعادلة أكثر تعقيداً: الدولة القوية تحتاج إلى جيش ومؤسسات، لكنها تحتاج أيضاً إلى مشاركة سياسية وثقة وتوازن بين مكونات المجتمع.
وقد تكون المفارقة الأكبر في حياة ياسين الهاشمي أن الرجل الذي جعل من الجيش أداة مركزية لبناء العراق، انتهت حكومته عندما قرر الجيش أن يتولى بنفسه حق تقرير من يحكم العراق.
لهذا فإن ياسين الهاشمي لا يمثل فقط مرحلة من تاريخ العراق، بل يمثل سؤالاً لا يزال مهماً في بناء الدول:
هل تستطيع الدولة أن تفرض الوحدة من الأعلى، أم أن الوحدة الحقيقية لا تصبح مستقرة إلا عندما يشعر جميع مواطنيها أنهم شركاء في بنائها؟
وفي تقديري، هذه هي أهم رسالة يمكن استخلاصها من تجربة ياسين الهاشمي.