د. حازم قشوع

لم تعد الانتخابات الفلسطينية المقبلة مجرد استحقاق ديمقراطي لاختيار ممثلي الشعب الفلسطيني، بل تبدو أقرب إلى محطة سياسية مفصلية، لأنها تأتي في لحظة يعاد فيها طرح السؤال الأكثر جوهرية: "أي فلسطين يريد الفلسطينيون، وأي مشروع سياسي يمكن أن يحمل قضيتهم إلى المستقبل؟"
فعلى مدى عقود، ظل "حل الدولتين" الإطار السياسي الأكثر حضوراً في الخطاب الفلسطيني والعربي والدولي، باعتباره الصيغة التي تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة، والتغيرات المتسارعة على الأرض، بدأت تفتح الباب أمام مقاربات أخرى، من بينها "حل الدولة الواحدة القائمة على المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، أو صيغ وسطية كالكونفدرالية والترتيبات السياسية الانتقالية التي تتجاوز الحدود التقليدية بين الدولتين.

 

ومن هنا تكتسب الانتخابات الفلسطينية المقبلة أهمية تتجاوز نتائجها الحزبية أو البرلمانية؛ إذ قد تتحول إلى مناسبة لاختيار "المشروع السياسي قبل اختيار الأشخاص". فالسؤال لن يكون فقط من يفوز في الانتخابات، وإنما أي رؤية ستحصل على الشرعية الشعبية لتمثيل الفلسطينيين والتحدث باسم مستقبل قضيتهم..فالاتجاه الأول ينطلق من أن حل الدولتين، بصيغته التقليدية، أصبح أكثر صعوبة في ظل التوسع الاستيطاني وتغير الجغرافيا السياسية للضفة الغربية وتداخل التجمعات السكانية، بما جعل إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة موضع شك متزايد. ووفق هذا التصور، فإن الاستمرار في طرح حل الدولتين دون معالجة الوقائع التي تغيرت على الأرض قد يجعل منه إطاراً سياسياً قائماً في الخطاب، لكنه يزداد صعوبة في التطبيق.

أما الاتجاه الآخر، فما زال يرى أن "حل الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية"، يمثل الطريق الأكثر انسجاماً مع قرارات الشرعية الدولية والمبادرات العربية والمسار السياسي الذي تشكل عبر عقود. ولذلك فإن التخلي عنه لا يعني فقط تغييراً في صيغة الحل، وإنما انتقالاً إلى مشروع سياسي مختلف في جوهره وأدواته ونتائجه.

وفي قلب هذه المعادلة يقف الموقف الأمريكي، الذي لا يمكن تجاوزه عند قراءة مستقبل القضية الفلسطينية، فالولايات المتحدة كانت طوال العقود الماضية الراعي الدولي الأبرز لمسار التسوية، ولذلك فإن أي تحول في رؤيتها يترك أثراً مباشراً على شكل الحل الممكن. وبينما ظل "حل الدولتين" هو الصيغة التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فإن التطورات الأخيرة جعلت الموقف الأمريكي أكثر ارتباطاً بالوقائع السياسية والأمنية على الأرض، وأقل انشغالاً بالشكل النظري للحل وحده. فواشنطن معنية اليوم بصياغة ترتيبات تضمن 
أمن إسرائيل، وتوفر للفلسطينيين حقوقهم السياسية، وتمنع استمرار الصراع، الأمر الذي يجعلها أمام خيارات متعددة تبدأ بحل الدولتين ولا تستبعد صيغاً سياسية أخرى إذا تعذر تطبيقه.

ومن هنا فإن الانتخابات الفلسطينية لن تقرر فقط اتجاه المشروع الوطني الفلسطيني، وإنما ستحدد أيضاً طبيعة الشريك الفلسطيني الذي ستتعامل معه واشنطن في أي مسار سياسي قادم، وهو ما يجعل الشرعية الفلسطينية الجديدة جزءاً من معادلة دولية أوسع من حدود الانتخابات نفسها.

غير أن المفارقة الأساسية تكمن اليوم في اتساع الفجوة بين "شرعية حل الدولتين من جهة، وإمكان تطبيقه على الأرض من جهة أخرى". وهذه الفجوة هي التي جعلت النقاش ينتقل من سؤال الحدود إلى سؤال طبيعة الدولة نفسها، ومن البحث عن دولتين منفصلتين إلى التفكير في دولة واحدة أو صيغة تشاركية تضمن الحقوق السياسية والمدنية للفلسطينيين والإسرائيليين. وهنا يصبح الصراع في جوهره ليس فقط صراعاً على الأرض، وإنما صراعاً على "تعريف الدولة ومستقبلها"...

ففي حين ترى قوى فلسطينية وإسرائيلية أن الدولة الواحدة القائمة على المساواة يمكن أن تقدم مخرجاً من المأزق التاريخي، تتمسك قوى أخرى بفكرة الدولة اليهودية وترى أن أي صيغة تقوم على المساواة الديموغرافية والسياسية الكاملة قد تهدد طبيعة الدولة وهويتها. وبين هذين الاتجاهين تتسع مساحة الجدل حول مستقبل الصراع وشكل النظام السياسي الذي يمكن أن ينهيه فى ظل هذا الجدل الذى اخذ يدخل فى حاضرة البيت الفلسطيني كما الاسرائيلي معا .

كما أن الرأي العام الفلسطيني لا يبدو على موقف واحد ثابت، بل يتغير تبعاً للظروف السياسية والميدانية. وقد أظهرت استطلاعات سابقة تبايناً بين التأييد لحل الدولتين والدولة الواحدة والكونفدرالية، بما يؤكد أن الموقف الشعبي ليس كتلة جامدة، وإنما يتأثر بمدى الإيمان بإمكان تحقيق كل صيغة على أرض الواقع...ومن هنا يمكن أن تكون الانتخابات المقبلة فرصة لإعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية وتجديد المؤسسات وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد تنافس على المقاعد، وإنما مناسبة لإعادة تعريف المشروع الوطني، وتحديد أدواته، وتجديد العلاقة بين القيادة والشعب...ولعل المساحة الأهم التي ينبغي عدم إغفالها تقع "بين حل الدولة الواحدة وحل الدولتين"، وهي مساحة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أساس وحدة الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتجديد المؤسسات السياسية، واستعادة الشرعية الانتخابية، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ثم الوصول إلى صيغة الحل النهائي من خلال توافق فلسطيني واسع، وإسناد عربي، وغطاء دولي.

فالمشكلة اليوم ليست في نقص الصيغ السياسية، وإنما في غياب القدرة على تحويل أي صيغة إلى واقع قابل للحياة. ولهذا فإن استعادة الوحدة الفلسطينية وإنتاج قيادة ذات شرعية شعبية قد تكون شرطاً سابقاً على تحديد شكل الحل النهائي، لأن أي مشروع سياسي لا يستند إلى شرعية داخلية لن يستطيع إنتاج تسوية مستقرة، مهما حظي بالدعم الخارجي.

أما الأردن، فلا يمكن أن ينظر إلى هذا التحول باعتباره شأناً فلسطينياً داخلياً، لأن أي تغيير في صيغة الحل سيترك انعكاساته المباشرة على "الجغرافيا والديموغرافيا والأمن والحدود والاستقرار الإقليمي". ولذلك فإن المصلحة الأردنية تلتقي مع ضرورة الوصول إلى حل سياسي يحفظ حق الفلسطينيين في دولتهم، ويمنع تصفية القضية أو تحويلها إلى مجرد مسألة حقوق مدنية داخل دولة أخرى، ويحافظ في الوقت نفسه على أمن الأردن الوطني ومصالحه ومكانته السياسية في معادلة الإقليم.

وهنا تبرز أهمية الموقف الأردني القائم على أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في إدارة الصراع، وإنما تحتاج
إلى "حل سياسي يعالج جذوره وينهي الاحتلال ويمنح الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم". فالأردن معني بأن يبقى شكل الحل واضحاً، وأن لا تتحول التحولات السياسية إلى مشاريع غامضة تعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة...وهذا ما يجعل الانتخابات تصبح "بين تجديد الشرعية وتحديد مستقبل القضية"...فالانتخابات الفلسطينية المقبلة قد تكون، في معناها الأعمق، انتخابات على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني نفسه؛ بين من يريد إعادة إحياء حل الدولتين، ومن يرى أن الوقائع تجاوزت هذا الحل، وبينهما مساحة سياسية جديدة لم تتبلور ملامحها النهائية بعد.
ولهذا لن تكون أهمية النتيجة في عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك، وإنما في "المشروع الذي ستمنحه الإرادة الشعبية الفلسطينية شرعية التمثيل والتفاوض".

فالسؤال الحقيقي الذي ستطرحه الانتخابات لن يكون فقط: "من يحكم فلسطين؟" بل السؤال الأعمق: "أي فلسطين نريد أن نحكم، وأي مشروع سياسي نريد أن نقدمه للعالم؟" وهنا تكمن لحظة التحول؛ لأن الانتقال من حل الدولتين إلى الدولة الواحدة، إن حدث، لن يكون مجرد تغيير في المصطلحات، بل انتقالاً من تصور سياسي إلى آخر، ومن شكل للدولة إلى شكل مختلف، بما يفتح الباب أمام إعادة تعريف الصراع ومستقبل فلسطين وإسرائيل معاً.

أما الأردن، فمن "زوايا تقديرية ذاتية"، فسيبقى معنياً بأن يكون هذا التحول، أياً كان اتجاهه، "نحو حل يحفظ فلسطين ولا يصفي قضيتها، ويصون الأردن ولا ينقل إليه تبعات الصراع، ويؤسس لاستقرار إقليمي لا لإدارة جديدة للأزمة".فالقضية 
في النهاية ليست اختياراً بين دولتين أو دولة واحدة فحسب، وإنما القدرة على بناء "حل قابل للحياة، قابل للحماية، وقابل للاستمرار". وهذه هي المعادلة التي ستحدد ما إذا كانت الانتخابات الفلسطينية القادمة مجرد استحقاق انتخابي، أم بداية لإعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
وهذا ما قد يجعلها تشكل "فاصلة تاريخية في عمر القضية الفلسطينية، وفي مسار المشروع الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذي انطلق أساساً من أجل المحافظة على الذات الفلسطينية وصون حقها في تقرير مصيرها".