أ د هاني الضمور
فإن الأمانة لا يحفظها اللقب، وإنما يحفظها الموقف
يا رؤساء مجالس أمناء جامعاتنا الأردنية وأعضاءها،
إنكم أقبلتم على أمانةٍ ليست ككل أمانة، وعلى ولايةٍ لا يزينها الاسم إن خلت من الفعل، ولا يرفعها المنصب إن غابت عنها المسؤولية.
وقد وُلِّيتم أمر جامعاتٍ تحمل علم البلاد، وتصنع عقول أبنائها، وتفتح لهم أبواب المستقبل. والجامعة لا تُصان بكثرة المجالس، ولا بجمال النصوص، ولا بكثرة الخطط، وإنما تُصان برجال ونساء يعرفون متى يقولون نعم، ويملكون الشجاعة حين يجب أن يقولوا لا.
وإني موصيكم بعشر خصال؛ إن حفظتموها حفظتم جامعاتكم، وإن ضيعتموها فلن تنفعكم المناصب ولا الألقاب.
أما الأولى: فلا تكونوا مجلساً للختم والتصديق
واعلموا أن مجلس الأمناء ما جُعل ليبارك كل ما يأتيه، ولا ليكون مجلس وجاهة، ولا محطةً لمن انتهت به وظيفة ليبدأ أخرى.
إنما جُعل ليسأل ويحاسب ويزن الأمور بميزان المصلحة.
فاسألوا رئيس الجامعة: ماذا أنجزت؟ وبأي مال؟ وأين أخفقت؟ ولماذا أخفقت؟ وماذا ستترك بعد أربع سنين؟
ولا تجعلوا السؤال خصومة، ولا الاعتراض مشاكسة.
فالمجلس الذي لا يسأل لا يحكم، والمجلس الذي لا يعترض عند الخطأ لا يؤتمن.
وإياكم أن تدخلوا في كل صغيرة وكبيرة، فتكونوا إدارةً ثانية فوق الإدارة؛ فإن حسن الحوكمة أن يعرف المجلس موضعه، ويعرف الرئيس موضعه.
فليكن الرئيس قوياً في التنفيذ، وكونوا أنتم أقوياء في المساءلة.
وأما الثانية: فاحفظوا استقلال الجامعة، ولا تجعلوه كلمةً بلا معنى
واعلموا أن الاستقلالية ليست زينةً في مقدمة الاستراتيجيات، ولا شعاراً يرفع حين نريد الصلاحيات ثم ننساه حين تأتي المسؤولية.
فمن طلب حرية القرار، فعليه أن يحمل وزر القرار ونتيجته.
لا تقولوا: نحن مستقلون إذا أصبنا، ثم تقولوا: الحكومة مسؤولة إذا أخطأنا.
فالاستقلال أمانة قبل أن يكون امتيازاً.
ودعوا للدولة حقها في رسم السياسة وضمان الجودة ومحاسبة النتائج، واحفظوا للجامعة حقها في إدارة شأنها الأكاديمي والإداري والمالي.
فخير العلاقة بين الدولة والجامعة أن تقل التعليمات وتكثر المساءلة، وأن تقل إدارة التفاصيل ويكثر الحكم على النتائج.
وأما الثالثة: فجددوا الوجوه قبل أن تشيخ المؤسسات
وإياكم ودوران الأسماء في الدائرة نفسها؛ فهذا رئيس بالأمس يصبح رئيس مجلس اليوم، وهذا عميد ينتقل رئيساً، وهذا عضو مجلس ينتقل إلى مجلس آخر، حتى يظن الناس أن الأردن قد ضاقت كفاءاته في نفرٍ قليل.
والأردن أوسع من ذلك.
فالتمسوا أهل العلم ممن لم يأخذوا نصيبهم من الفرص، وافتحوا الأبواب للباحث المنتج، وللشاب المبدع، وللمرأة الكفؤة، وللأردني الناجح في جامعات العالم، ولمن عرف الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد والابتكار معرفة فعل لا معرفة لقب.
ولا تهجروا أصحاب الخبرة، ولكن لا تجعلوا الخبرة حجةً لاحتكار المواقع.
فالمؤسسة التي لا تنجب جيلاً جديداً من القادة إنما تعيش على ماضيها.
وتذكروا أن تدوير الأشخاص ليس تجديداً، وإنما تأجيل للمشكلة.
وأما الرابعة: فلا تجعلوا الجامعة حصةً لأحد
لا تجعلوها لمحافظة، ولا لعشيرة، ولا لمنطقة، ولا لجماعة، ولا لشبكة مصالح.
فالجامعة لا تعرف في العلم إلا الأكفأ، ولا ينبغي أن تعرف في القيادة إلا الأجدر.
احفظوا تنوع الأردن، ولكن لا تقتلوا الجدارة باسم تمثيله.
فليس العدل أن توزع المناصب، بل العدل أن تتساوى الفرص وأن تعلن المعايير وأن يتقدم الأفضل.
وإذا دخلت المحاصصة من باب الجامعة خرجت الجدارة من نافذتها.
وأما الخامسة: فزنوا الرئيس بثمرة عمله، لا بصورته
لا تغرنكم كثرة المؤتمرات، ولا الأخبار، ولا الصور، ولا افتتاح المباني.
واسألوا عن المديونية قبل أن تسألوا عن الاحتفال، وعن جودة التدريس قبل أن تسألوا عن التصنيف، وعن عمل الخريجين قبل أن تسألوا عن أعداد المقبولين.
واطلبوا من كل رئيس لوحة أداء معلنة يعرفها المجلس والجامعة والمجتمع.
كم خريجاً وجد عملاً؟
كم بحثاً صنع أثراً؟
كم اتفاقية خرجت من الورق إلى الفعل؟
كم براءة صارت منتجاً؟
كم شراكة دخلت إلى الصناعة؟
وكم ديناً نقص من رقبة الجامعة؟
فالعدد بلا أثر قد يخدع، والنشاط بلا نتيجة قد يملأ التقرير ولا يبني جامعة.
وأما السادسة: فلا تبيعوا للطلبة تخصصاتٍ انتهى زمانها
واعلموا أن كل برنامج يدر مالاً ليس بالضرورة برنامجاً يستحق البقاء.
فلا تفتحوا باب تخصص حتى تعرفوا لمن يفتح باب العمل بعد التخرج.
واسألوا قبل إنشاء أي برنامج: هل يحتاجه الاقتصاد؟ هل يملك أساتذته؟ هل تملك الجامعة مختبراته وتجهيزاته؟ وهل سيكون له مكان بعد خمس أو عشر سنين؟
ولا تخافوا من إغلاق برنامج ماتت حاجته.
فالبرامج وُجدت لخدمة الطالب والمجتمع، لا لتخدم الأقسام والكراسي والمصالح المكتسبة.
ولا تسألوا فقط: كم طالباً نستطيع أن نقبل؟
بل اسألوا: أي إنسان نريد أن نتخرج به إلى الأردن بعد عشر سنوات؟
وأما السابعة: فاجعلوا الأستاذ والطالب قلب الجامعة
ولا تنسوا، وسط الأبنية والموازنات والمناصب، أن الجامعة لم تُخلق للمكاتب.
الجامعة أستاذ يعرف كيف يعلم، وطالب يتعلم كيف يفكر.
فإذا كثرت الإدارات ونقصت المختبرات، فقد اختل الميزان.
وإذا حسنت المكاتب وضعفت المكتبات، فقد اختل الميزان.
وإذا كثرت السيارات والمهمات وقل المال المخصص للبحث والتدريس والطالب، فقد اختل الميزان.
واسألوا عند كل موازنة: كم ذهب إلى العلم؟ وكم ذهب إلى الإدارة؟
واجعلوا جودة التعلم، واللغة، والمهارات الرقمية، والتفكير النقدي، والتدريب، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال من أصول القياس.
فليس السؤال أن يتخرج الطالب، بل السؤال: ماذا أصبح قادراً على أن يفعل؟
وأما الثامنة: فاحرسوا المعايير، فإن فسادها أشد من فساد المال
واعلموا أن للجامعة فساداً قد لا يظهر في دفاتر المحاسبة.
فإذا صار العميد مكافأة، ورئيس القسم ترضية، واللجنة أداة خصومة، والترقية ساحة حسابات، ضاعت الجامعة ولو استقامت أرقام ميزانيتها.
فأعلنوا معايير التعيين، وأعلنوا معايير اختيار القيادات، وأعلنوا قواعد الترقية.
وكلما علت الوظيفة، فلتعلُ معها الشفافية.
واحرسوا البحث العلمي كذلك.
فلا تسكتوا عن الانتحال، ولا عن العبث بالبيانات، ولا عن التأليف الصوري، ولا عن إضافة أسماء لم تعمل، ولا عن نشر هدفه زيادة العدد ولو نقصت القيمة.
فالجامعة لا يحميها عدد أوراقها، بل الثقة في علمها.
وأما التاسعة: فلا تجعلوا التصنيفات صنماً يُعبد من دون الرسالة
لا بأس أن تتقدم جامعاتكم في التصنيفات، بل افرحوا بذلك إن كان ثمرة لتحسن حقيقي.
ولكن لا تجعلوا الرقم غاية.
فقد يصعد الترتيب ويبقى الطالب كما هو، وقد تزيد الأبحاث ويقل أثرها، وقد تكثر الاستشهادات ولا تزيد المعرفة.
فإذا تقدم ترتيب الجامعة فقولوا: ماذا تحسن في الحقيقة؟
هل تحسن التعليم؟
هل قوي البحث؟
هل زاد أثر الجامعة في المجتمع والاقتصاد؟
هل أصبح خريجها أقوى؟
فإن كان الجواب نعم، فذلك تقدم.
وإن كان التقدم رقماً لا يتبعه أثر، فلا تخدعوا أنفسكم.
فالجامعة الجيدة لا تبني نفسها للتصنيف؛ وإنما تبني نفسها لرسالتها، ثم يأتي التصنيف تابعاً لها.
وأما العاشرة: فلا تجعلوا الطالب يدفع ثمن أخطائكم
إذا ضاقت الموازنة فلا تسرعوا إلى جيب الطالب.
فزيادة الرسوم أسهل القرارات، ولكنها ليست دائماً أصوبها.
ابدؤوا بأنفسكم.
راجعوا الإنفاق، وعدد الإداريين، والأبنية التي لا حاجة لها، والبرامج الخاسرة، والأصول المعطلة، والاستثمارات الضعيفة، والشراكات الناقصة.
افتحوا أبواب الدخل من البحث والتكنولوجيا والصناعة والاستثمار واستقطاب الطلبة الدوليين بالجودة.
ولا تجعلوا الطالب جهاز صراف يصلح به المدير ما أفسدته الإدارة.
ثم انظروا إلى الجامعة في آخر عهدكم، لا في أوله.
هل قل دينها؟
هل تحسنت برامجها؟
هل قويت نزاهتها؟
هل اتسعت قياداتها؟
هل صار خريجها أقدر؟
هل أصبح قرارها أكثر شفافية؟
فذلك هو ميزان نجاحكم.
ثم أوصيكم بخصلة حادية عشرة تجمع العشر كلها: تعلموا أن تقولوا «لا»
قولوا لا حين تكون «لا» حمايةً للجامعة.
قولوا لا للواسطة.
ولا للمحاصصة.
ولا للتعيين الذي لا يستحق صاحبه.
ولا للبرنامج الذي لا يحتاجه الطالب ولا الاقتصاد.
ولا للموازنة التي لا تقنعكم.
ولا لبحثٍ يرفع الرقم ويخفض قيمة العلم.
ولا لرئيس الجامعة إذا أخطأ.
ولا لأي تدخل يتجاوز السياسة العامة إلى العبث بالتفاصيل.
ولا تخافوا أن تغضب «لا» أحداً إذا كانت ترضي ضمير المؤسسة.
فإن لم يستطع رئيس مجلس الأمناء وأعضاؤه أن يقولوا لا في موضعها، فمن يقولها؟
يا رؤساء المجالس وأعضاءها،
إن السنوات الأربع تمر سريعاً، والألقاب تزول، والصور تنزل عن الجدران، والكراسي يجيء إليها غيركم.
فلا تجعلوا همكم أن يقال: كان رئيساً أو كان عضواً.
بل اجعلوا همكم أن يقال: ترك الجامعة خيراً مما وجدها.
تركها أكثر استقلالاً.
وأقل خوفاً.
وأشد نزاهة.
وأكثر قدرة على تعليم طالبها وتشغيل خريجها.
وأقوى في علمها وبحثها.
وأوسع أبواباً أمام جيل جديد.
واعلموا أن الأمانة ليست أن تحرسوا كرسي رئيس الجامعة، وإنما أن تحرسوا الجامعة نفسها.
وليست الأمانة أن ترضوا صاحب قرار، وإنما أن تحموا القرار المؤسسي.
وليست الأمانة أن تمر السنوات بهدوء، وإنما أن يبقى بعدكم أثر.
فهذه جامعات الأردن أمانة بين أيديكم.
فإن أحسنتم، أحسنتم إلى أجيال لم تدخل أبوابها بعد.
وإن فرطتم، فلن يكون السؤال بعد أربع سنوات: من كان عضواً في المجلس؟
بل سيكون السؤال:
ماذا فعلتم حين كانت الأمانة في أيديكم؟
أ. د. هاني الضمور
