د. حازم قشوع
في السياسة، هناك صمت لا يعني الغياب، كما أن هناك كلاماً لا يعني بالضرورة امتلاك الموقف. وبين الصمت والكلام تتشكل أحياناً أهم الرسائل السياسية، خصوصاً عندما يكون المشهد في حالة إعادة تشكل، وتكون كل كلمة قابلة لأن تُقرأ باعتبارها موقفاً نهائياً. ومن هنا يمكن قراءة صمت الملك عبدالله الثاني في هذه المرحلة؛ فالأصل ألا نسأل: "أين الملك؟"، بل أن نسأل: "لماذا صمت الملك؟". فالأردن ليس خارج المشهد، بل هو في قلبه، والملك ليس بعيداً عن التحولات، وإنما يتعامل معها من موقع من يعرف أن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة عن كل ما سبقها، وأن المنطقة تقف أمام مخاض سياسي قد يعيد رسم كثير من معادلاتها.
فالمنطقة اليوم لا تواجه أزمة واحدة، وإنما تعيش مرحلة واسعة من إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات وموازين القوى. غزة ما زالت حاضرة، والضفة الغربية تدخل مرحلة أكثر حساسية، وإسرائيل تواجه مأزقاً سياسياً وأمنياً متراكماً، بينما تتحول القضية الفلسطينية بصورة متزايدة من ملف إقليمي إلى قضية حاضرة في السياسة الأمريكية وحسابات الناخب الأمريكي. وهنا لا يمكن فصل المشهد الإقليمي عن المشهد الانتخابي، فالولايات المتحدة مقبلة على استحقاقات ستؤثر في اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية، وإسرائيل تعيش بدورها حالة سياسية مفتوحة على احتمالات التغيير، فيما يقف المشهد الفلسطيني أمام استحقاقات يمكن أن تعيد إنتاج التمثيل السياسي وطبيعة المرحلة المقبلة، ويزداد المشهد تعقيداً مع التحذيرات والتقديرات التي تتحدث عن احتمالات تصعيد واسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في توقيت يتقاطع مع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وفي مثل هذه البيئة، لا يبدو الأردن مستعجلاً للدخول في سجال سياسي قبل أن ينتهي هذا المخاض، ولا راغباً في استباق نتائج قد تعيد تشكيل موازين القوى، فالكثير من العواصم تنتظر ما ستقوله صناديق الاقتراع، وما إذا كانت ستنتج سياسات جديدة أم تعيد إنتاج السياسات القائمة. فالملك لا يحتاج إلى إعادة تعريف الموقف الأردني كل يوم،
لأن ثوابت الأردن معروفة وواضحة: لا للتهجير، ولا للتوطين، ولا لتصفية القضية الفلسطينية، ولا لأي ترتيبات تنتقص من الحقوق الفلسطينية، كما أن القدس بالنسبة للأردن ليست مجرد ملف تفاوضي، وإنما قضية ترتبط بالتاريخ والدور والوصاية الهاشمية. ومن ثم، فإن الصمت الملكي لا يعني الانتقال من الموقف إلى الصمت، وإنما يعني الانتقال من إعلان الموقف إلى إدارة الموقف، لأن الكلام عندما يقال قبل اكتمال الصورة قد يتحول إلى التزام، بينما يمنح الصمت الدولة مساحة أوسع للرصد وإعادة الحساب وبناء البدائل.
وفي السياسة الدولية، لا سيما عندما تكون المصالح متشابكة، فإن الدولة التي تتحدث كثيراً قد تكشف أوراقها، بينما الدولة التي تعرف متى تصمت تستطيع الاحتفاظ بهامش أوسع للحركة، والأردن اليوم بحاجة إلى هذا الهامش. فالمشهد الأمريكي يتغير، والمشهد الإسرائيلي يتغير، والمشهد الفلسطيني يعاد تشكيله، بينما تتقدم قوى دولية جديدة إلى مساحة التأثير في الشرق الأوسط، وفي مثل هذه المرحلة لا تكون الحكمة في أن يسبق الأردن الأحداث، وإنما في أن يكون مستعداً للحظة التي تتشكل فيها نتائجها. ولعل زيارة الملك إلى الصين، وتحركه بين شنغهاي وبكين، ثم لقاؤه الرئيس الصيني، تأتي في سياق أوسع من مجرد العلاقات الاقتصادية، فهي تعكس محاولة أردنية لإبقاء أبواب الحركة مفتوحة، وبناء شبكة من الشراكات المتوازنة، في وقت يعاد فيه تشكيل النظام الدولي والإقليمي، بما يمنح الأردن مساحة أوسع للتعامل مع المتغيرات المقبلة.
فالملك لا ينظر إلى غزة وحدها، ولا إلى الضفة وحدها، ولا إلى إسرائيل وحدها، وإنما ينظر إلى الصورة كاملة؛ إلى واشنطن وهي تعيد حساباتها، وإلى إسرائيل وهي تواجه تحديات متزايدة، وإلى فلسطين وهي تدخل مرحلة جديدة، وإلى العالم العربي وهو يبحث عن صيغة سياسية تحفظ أمنه ومصالحه، وإلى الصين وأوروبا والقوى الدولية الأخرى وهي تعيد تعريف حضورها في المنطقة. وفي وسط كل ذلك، يبقى الأردن معنياً بألا يتحول إلى طرف في أزمات الآخرين، وإنما أن يكون شريكاً في صناعة الحلول التي تحمي مصالحه، وتخدم القضية الفلسطينية، وتحافظ على استقرار المنطقة. ولذلك قد يكون صمت الملك ممتداً إلى ما بعد انتهاء هذا المخاض السياسي، وإلى أن تتضح نتائج الانتخابات، وتتحدد ملامح المرحلة الأمريكية المقبلة، وتتضح اتجاهات السياسة الإسرائيلية وطبيعة المشهد الفلسطيني، عندها يصبح الكلام أكثر قدرة على التأثير، لأن مخاطبة مرحلة مكتملة تختلف عن مخاطبة مرحلة لا تزال قيد التشكل.
فالانتظار هنا ليس انتظار المتفرج، وإنما انتظار الدولة التي تقرأ المشهد وتستعد للمرحلة التالية، والملك يعرف أن ما بعد الانتخابات قد يكون مختلفاً عما قبلها، وأن ما بعد المخاض السياسي قد يفتح أبواباً جديدة للتسويات والحلول وإعادة ترتيب العلاقات. ولذلك فإن إبقاء الموقف الأردني في مساحة الحركة، وعدم استنزافه في سجالات يومية، قد يكون بحد ذاته جزءاً من عملية صناعة القرار، فالأردن لا ينتظر لأن لا شيء لديه ليقوله، بل لأنه يعرف أن التوقيت جزء من القرار. فالملك لا يحتاج إلى أن يقول كل شيء، لأن جزءاً كبيراً مما يريد قوله يُقرأ في تحركات الأردن، وفي اتصالاته، وفي علاقاته، وفي ثبات موقفه تجاه فلسطين والقدس، وفي رفضه لأي حلول تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني أو تهدد استقرار الأردن، وهي رسائل لا تحتاج في كل مرة إلى خطاب جديد بقدر ما تحتاج إلى قراءة سياسية عميقة لما وراء الحركة والموقف.
وفي السياسة، قد تكون قوة الرسالة في توقيتها أكثر من عدد كلماتها، وقد يكون الصمت، عندما يصدر عن دولة تعرف موقعها، ليس فراغاً سياسياً، وإنما امتلاءً بالحسابات. ولهذا فإن صمت الملك أبلغ من الكلام؛ لأنه ليس صمت من لا يملك ما يقول، وإنما صمت من يعرف ماذا يريد، ومتى يقول، ومتى يفعل. وربما تكون الرسالة الأهم أن الأردن لا يريد أن يتحدث إلى مرحلة ما زالت في طور الولادة، وإنما يريد أن يتحدث إلى مرحلة مكتملة المعالم؛ إلى ما بعد انتهاء المخاض، وما بعد الانتخابات، وعندما تتضح اتجاهات السياسة الدولية والإقليمية، فالكلمة الملكية حين تأتي في اللحظة المناسبة، وبعد أن تتحدث صناديق الاقتراع وتستقر موازين المرحلة، ستكون أبلغ أثراً من عشرات الكلمات التي يمكن أن تقال اليوم.
وهنا يصبح الصمت ليس غياباً عن المشهد، بل حضوراً فيه، وليس تراجعاً عن الموقف، بل حفاظاً على القدرة على التأثير. إنه صمت الملك إلى أن يحين وقت الكلام، فليس كل ما يمكن أن يقال قد حان أوانه، وليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال الآن يكون أكثر تأثيراً مما يمكن أن يقال غداً. وفي لحظة تتغير فيها خرائط السياسة والتحالفات، وتبحث فيها المنطقة عن مخرج من أزماتها، قد يكون أهم ما يملكه الأردن هو قدرته على الاحتفاظ بمساحة القرار، وانتظار اللحظة التي يصبح فيها صوته أكثر تأثيراً، وموقفه أكثر قدرة على صناعة التوازن، ولهذا فإن الصمت الملكي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره غياباً عن المشهد، وإنما باعتباره حضوراً محسوباً فيه، حضوراً ينتظر اللحظة التي يصبح فيها الكلام فعلاً سياسياً، لا مجرد موقف يُضاف إلى مواقف كثيرة، ولهذا يخشى الكثير من صمت الملك وينتظر الجميع صوت الملك.
