وسط ركام المنازل المهدمة وفي زوايا خيام النزوح المكتظة بقطاع غزة، يظهر شباب بملابس ملونة يضعون انوفا حمراء وشعرا مستعارا في مشهد يتناقض كليا مع واقع الحرب القاسي. هؤلاء المهرجون يكرسون وقتهم وجهدهم لتحويل لحظات الخوف والدمار الى مساحات صغيرة من الفرح، محاولين انتشال الاطفال من صدمات نفسية عميقة خلفتها غارات الاحتلال المستمرة.
واكد المهرجون ان عملهم يتجاوز مجرد الترفيه، حيث يسعون لتقديم دعم نفسي ضروري للاطفال الذين فقدوا الامان والمنزل والاصدقاء. وبينما يتعالى صدى ضحكات الصغار في مراكز الايواء، يحمل هؤلاء الفنانون في داخلهم ندوبا غائرة، اذ يعيشون هم ايضا حياة النزوح والحرمان والظروف المعيشية الخانقة التي تفرضها الحرب على الجميع.
واضاف هؤلاء المهرجون ان ارتداء زي الشخصية الكرتونية يمثل بالنسبة لهم وسيلة للفصل القسري عن الواقع الاليم، حيث يتركون همومهم الشخصية عند عتبة خيام الاطفال ليركزوا فقط على رسم ابتسامة قد تكون هي الاخيرة في حياة طفل لا يعلم ما يخبئه له الغد من مخاطر.
رسالة امل من تحت الانقاض
وكشف محمد سالم، المعروف بلقب عمو تيتو، انه بدأ مشواره في عالم الترفيه منذ سنوات طويلة، ليجد نفسه اليوم في قلب المعاناة يقدم عروض السيرك البسيطة. واوضح ان دافعه الاساسي هو ايمانه بان اللعبة او العرض المسرحي يمكن ان يمنحا الطفل جرعة من الصمود النفسي في ظل غياب ابسط وسائل اللعب التي يمنع الاحتلال دخولها للقطاع.
وبين سالم انه اضطر الى صنع ادواته الترفيهية بجهود ذاتية ومواد بسيطة، مشددا على ان اصعب اللحظات التي يواجهها هي حين يقدم فقرة ترفيهية لطفل، ثم يسمع بعد ايام قليلة نبأ استشهاده في قصف جديد. واكد ان هذا الواقع الاليم يجعله اكثر تمسكا باحتضان الاطفال، محاولا خلق ذكريات سعيدة قبل ان يغيبهم الموت.
واشار المهرج الشاب الى ان المقابل المادي لم يعد يشكل اولوية في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة، مبينا ان رؤية طفل يضحك وسط كل هذا الخراب تعد اكبر انجاز يمكن ان يحققه في حياته المهنية والانسانية.
تحدي الواقع بزي ملون
وتابع بلال مطر، الملقب بعمو بيبو، حديثه موضحا انه انخرط في هذه المهنة منذ عام 2016 مدفوعا بحبه الشديد للاطفال ورغبته في حمايتهم من كآبة الحرب. واكد ان شخصيته الملونة اصبحت علامة فارقة في مخيمات النازحين، حيث يصر على التجول بين الخيام لتقديم الفقرات الترفيهية والمسابقات التي تعيد للصغار حقهم المسلوب في اللعب.
واظهر مطر ان النزوح المتكرر مع اسرته لم يمنعه من مواصلة رسالته، مشيرا الى ان كل ضحكة يراها على وجه طفل تشعره بان الحياة لا تزال تنبض في غزة رغم الدمار. واوضح ان استحضار ذكريات منزله المدمر يجعله اكثر اصرارا على الاستمرار، لان الاطفال هم الضحية الابرياء الذين لا ذنب لهم في هذا الصراع الممتد.
واكدت الاحصاءات الرسمية ان الحرب المستمرة على القطاع تسببت في استشهاد اكثر من 21 الف طفل، مما يضع المهرجين امام مسؤولية اخلاقية كبرى للحفاظ على ما تبقى من طفولة في ظل ابادة جماعية تستهدف مستقبل الاجيال.
ابتسامة رغم الوجع
واوضح علاء مقداد، الشهير بعمو علوش، انه يعمل في هذا المجال منذ ربع قرن متنقلا بين المستشفيات والمدارس والشوارع. وبين ان قصر قامته اصبح سمة تميزه وتقربه من قلوب الاطفال الذين يجدون فيه صديقا مرحا يخرجهم من اجواء الرعب والقصف المستمر.
وشدد مقداد على انه يفرض على نفسه حالة من الفرح المصطنع قبل الدخول الى تجمعات الاطفال، رغم انه فقد اصدقاءه وجيرانه ودمر منزله في مخيم الشاطئ. واكد ان الهدف هو اقناع الطفل بان الحياة مستمرة وبان هناك املا بالرغم من كل شيء، موضحا ان ملامح الحزن في قلبه تختفي بمجرد رؤية التفاعل البريء مع عروضه.
وكشف المهرجون في الختام انهم سيظلون متمسكين بأدواتهم البسيطة ووجوههم الملونة، يواجهون بها قسوة الحرب وينتظرون تغيرا في الظروف، مؤكدين ان رسالتهم ستظل قائمة ما دام هناك طفل يحتاج الى ابتسامة في غزة.
