اتخذ مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية خطوة حاسمة في مسار الازمة النووية الايرانية، حيث قرر اعضاء المجلس احالة ملف طهران الى مجلس الامن الدولي للمرة الاولى منذ عقدين كاملين. وجاء هذا القرار نتيجة استمرار طهران في عدم الامتثال لالتزاماتها الدولية المتعلقة بالضمانات النووية وعدم تقديم تفسيرات مقنعة حول وجود اثار يورانيوم في مواقع غير معلنة، مما يضع العلاقات بين ايران والقوى الغربية في مهب الريح.

واعتمد المجلس المكون من 35 دولة هذا القرار بدعم قوي من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمانيا، حيث صوتت 23 دولة لصالح القرار بينما وقفت روسيا والصين وبعض الدول الاخرى في صف المعارضة او الامتناع. واكد المراقبون ان هذه الخطوة ترفع مستوى المواجهة الدبلوماسية وتخرج الملف النووي من اروقة الوكالة التقنية الى ساحة مجلس الامن السياسية والامنية.

واضافت الوكالة في حيثيات قرارها ان طهران لم تلتزم بمتطلبات الشفافية المطلوبة، وهو ما يستكمل سلسلة من التحذيرات التي بدات في يونيو الماضي عندما خلصت التقارير الفنية الى وجود خروقات صريحة في سجل الامتثال الايراني. وبينت التقارير ان غياب الردود التقنية الموثوقة حول الانشطة النووية السابقة زاد من تعقيد المشهد الدولي تجاه البرنامج الايراني.

ابعاد معاهدة حظر الانتشار النووي

وتعد معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية المظلة القانونية التي تحكم الانشطة النووية للدول الاطراف، وقد دخلت حيز التنفيذ منذ عام 1970 بهدف منع تحول التكنولوجيا النووية السلمية الى اغراض عسكرية. واوضحت المعاهدة ان الدول الحائزة للأسلحة النووية هي فقط تلك التي اجرت تجارب قبل عام 1967، وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن، بينما تلتزم باقي الدول بعدم السعي لامتلاك قدرات نووية هجومية.

وتابعت المعاهدة في موادها ان الدول غير النووية تخضع لرقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان عدم تحويل المواد النووية، مع منحها الحق في الاستخدام السلمي للطاقة. واكدت المادة المتعلقة بالانسحاب ان اي دولة يحق لها الخروج من المعاهدة في حال تعرض مصالحها العليا لخطر استثنائي، شريطة ابلاغ مجلس الامن قبل ثلاثة اشهر من تاريخ الانسحاب.

وكشفت الوقائع ان هناك دولا مثل الهند وباكستان لم توقع على هذه المعاهدة، بينما قامت كوريا الشمالية بالانسحاب منها رسميا في عام 2003. واشارت التقارير الدولية الى ان اسرائيل التي لم تعلن يوما عن ترسانتها النووية تظل خارج هذا الاطار القانوني، مما يجعل المشهد النووي الاقليمي يتسم بالغموض والتوتر المستمر.

مستقبل البرنامج الايراني تحت المجهر

وتواجه طهران اليوم تحديا كبيرا بعد ان اصبح ملفها مطروحا على طاولة مجلس الامن، خاصة في ظل التوترات العسكرية الاخيرة التي طالت منشآت نووية حساسة. واكدت تقارير الوكالة ان الوصول الى تلك المواقع المتضررة اصبح متعذرا، مما يمنع المفتشين من التحقق من حجم مخزون اليورانيوم المخصب ومدى اقترابه من مستويات صنع السلاح.

واوضحت المعطيات الميدانية ان طهران ترفض اتهامات الوكالة وتعتبرها مسيسة، مؤكدة ان برنامجها يظل في الاطار السلمي وتحت رقابة الوكالة منذ عقود. واضافت ايران ان الضربات التي تعرضت لها منشآتها العام الماضي قد اثرت بشكل كبير على بنيتها التحتية النووية، مما جعل قدرتها على الرد عبر توسيع التخصيب اكثر محدودية مقارنة بالسابق.

وكشفت الاحداث ان المحادثات غير المباشرة التي جرت مع واشنطن لم تفلح في كبح جماح التصعيد، حيث انتقلت المواجهة من مرحلة العقوبات الاقتصادية الى مرحلة الضغط الدبلوماسي المكثف في مجلس الامن. ويبقى السؤال المطروح حول ما اذا كان المجلس سيفرض عقوبات جديدة او يكتفي بالضغوط السياسية في ظل الانقسام الدولي الحاد بين القوى العظمى.