خاص - حسن صفيره

بقوة غير متوقعة، وخارج حسابات خصومه، جاءت مبادرة ودعوة القيادي الفلسطيني محمد دحلان التي وجهها اواخر الشهر المنصرم إلى قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، بضرورة  إجراء «مراجعة شاملة وصادقة» للتجربة السياسية الفلسطينية، وإنهاء الانقسام والتأسيس لدولة المواطنة والمؤسسات، بمثابة جرس انذار بإيقاع وطني مسؤول ، لجهة توقيتها بالتزامن القريب من عقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية أواخر تشرين الثاني المقبل، والرئاسية مطلع العام القادم، ما يؤشر لحجم الإحاطة السياسية التي يملكها الرجل، وهو

دحلان الغائب الحاضر عن المشهد السياسي الفلسطيني، ورغم مكوثه خارج الارضي المحتلة لأكثر من خمسة عشر عاما، ظل حاضرا في دهاليز وكواليس المشهد الفلسطيني كأداة توافقية أشبه بالمظلة للحراك الفلسطيني السياسي والمقاومي معا، ونحن نقرأ في حراك الرجل قيامه بمبادرات للتوفيق بين الفصائل الفلسطينية، ودعوته لبناء جسور تفاوضية تتجاوز حالة الانقسام الفصائلي لا سيما بين فتح وحماس، وتأكيده حسب مبادرته الاخيرة التي اطلقها من عاصمة دولة الامارات ابو ظبي لمراجعة التجربة السياسية الفلسطينية وانهاء الانقسام للوصول الى نظام قادر على إدارة الوطن الفلسطيني .

مبادرة دحلان الأخيرة، والتي تعكس حنكته ودهاءه الحميد للعب السياسي، حملت وراء سطورها حديثا عن واقع أَلِيم كان عايشه دحلان نفسه مع "الأخوة الاعداء" من خلال اقصاءه وخروجه من الاراضي الفلسطينية، وقد دعا في معرض رسالته للمبادرة لضرورة التقارب مع مختلف القوى، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي وقيادة السلطة الفلسطينية، انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على التعددية السياسية ورفض إقصاء أي طرف بسبب الخلافات القائمة وقالها حرفيا وبوضوح ( قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة الفلسطينية، وقد تكون بيننا خلافات عميقة، لكن الاختلاف مع أحد لا يمنح أي طرف الحق في إلغاء الآخر) .

وفي السياق نفسه، لقيت مبادرة دحلان في الساحة السياسية الفلسطينية حالة ترحيب اعتبرها خلفاء المشهد السياسي الفلسطيني بأنها دعوة منطقية تستوجب إعادة ترتيب "البيت الداخلي"، جاءت من شخصية سياسية تملك الخبرة السياسية ومقربة من فصائل العمل الوطني والمقاومي، فيما ذهب "المتفائلين" او لنقل أصحاب الرأي الحكيم ممن يملكون اجندة وطنية حقيقية بـأن دحلان الشخص الوحيد الذي يستطيع قيادة توافقات مع رجالات السلطة الحقيقيين والوطنيين وحركة حماس والجهاد الإسلامي لما يتمتع به من شخصية وكاريزما السياسي المحنك، بالإضافة إلى سجله الوطني الذي جوبه ازاءه بسهام المتربصين والمتصيدين ممن برعوا في صياغة الاتهامات التي استهدفته  زورا وبهتاناً ، ليخرج منها بقرارات براءة ارتدت على المتصيدين، لتتكشف الحقائق عن حقيقة ان جملة الاتهامات التي وُجهت إليه منذ خروجه من حركة فتح عام 2011 لم تكن سوى "سهام سياسية" صيغت بدوافع كيدية لتصفية حسابات داخلية، وعنوان عريض لاغتيال الشخصية، لتجيئ عملية تلفيق  الاتهامات وبراءته منها رمية من غير رامٍ لصالح مرمى دحلان،  مما أعاد تعزيز موقفه القانوني والسياسي ليكون رجل المرحلة القادمة، وليبرز نشاطه السياسي على ارض الواقع بقوة ومتانة مُنتجة والحديث هنا عن عقد دحلان اجتماعات عديدة ومتوالية مع ممثلي الفصائل الفلسطينية من بينها حماس، بالتوازي مع سعيه الجاد والوطني المسؤول إلى تقديم نفسه حلقة وصل بين القوى الفلسطينية المتنافسة ، هذا الى جانب وقوفه المستمر إلى جانب أبناء شعبه في الداخل والشتات من خلال جهود إنسانية وإغاثية واسعة، لا سيما في قطاع غزة، حيث ساهمت شبكة علاقاته الإقليمية الوثيقة، وبخاصة الثقة المتبادلة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في تدفق المساعدات الحيوية ودعم صمود الأهالي وتخفيف معاناتهم في ظل الحرب المستعرة التي تقودها الماكنة الارهابية الصهيونية.

إن حضور محمد دحلان في قلب الجهود الدبلوماسية والمشاورات الوطنية يعكس حالة النضج السياسي التي يتمتع بها الرجل وجهوده الدؤوبة في توفير مساحة توافقية سياسية مرنة تعتمد على الكفاءات القيادية والتعددية الفصائلية بكل الوانها، مما يجعله في نظر مؤيديه وحلفائه خياراً رئيسياً لقيادة تحالفات وطنية عريضة قادرة على مجابهة التحديات الراهنة وتحقيق الاستقرار وقبلا انتزاع اعلان الدولة الفلسطينية .