خاص : المحرر

حين يصبح وقف الحرب ممكنًا، ويصبح استمرارها خيارًا سياسيًا، فإن السؤال لم يعد: لماذا لا تنتهي الحرب؟ بل: من الذي يمنع نهايتها؟ هذه هي الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم بقوة على المشهد في غزة والشرق الأوسط: حكومة بنيامين نتنياهو لم تعد تواجه ضغوطًا دولية بسبب الحرب فحسب، بل أصبحت، في نظر منتقديها، جزءًا أساسيًا من مشكلة استمرارها وتعطيل أي أفق جاد للتهدئة ففي الوقت الذي تتسع فيه المواقف الأوروبية والكندية الرافضة لاستمرار الحرب، وتتزايد الضغوط الدولية من أجل وقف إطلاق النار، تبدو حكومة نتنياهو أكثر تمسكًا بالحل العسكري، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي يدفعها المدنيون، وفي مقدمتهم النساء والأطفال.

والأخطر أن المفاوضات لم تكن تفتقر إلى المقترحات. فقد طُرحت مبادرات تضمنت بنودًا لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، وأبدت حماس موافقات على مقترحات تفاوضية في مراحل مختلفة، بينما بقيت العقدة السياسية الإسرائيلية حاضرة بقوة، وسط اتهامات لنتنياهو بأنه يضع حساباته السياسية وشروطه أمام أي اتفاق يمكن أن ينهي الحرب ، وهنا تكمن المعضلة: كلما اقتربت المفاوضات من فرصة حقيقية للتهدئة، ظهرت شروط جديدة، أو تعقيدات جديدة، أو مواقف إسرائيلية تعيد الاتفاق إلى نقطة الصفر ، نتنياهو لا يستطيع أن يواصل التعامل مع الحرب وكأنها معركة مفتوحة بلا نهاية؛ فالحرب التي بدأت باعتبارها عملية عسكرية تحولت إلى أزمة دولية، وأصبحت تداعياتها تمس صورة إسرائيل وعلاقاتها الدولية واستقرار المنطقة بأكملها ، كما أن استمرار الحرب يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب؛ فواشنطن، التي لعبت دورًا رئيسيًا في طرح مبادرات التهدئة والوساطة، تجد نفسها أمام حكومة إسرائيلية لا تتطابق مواقفها بالضرورة مع كل ما تريده الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

وهنا تتضح المفارقة الكبرى: المجتمع الدولي يبحث عن مخرج، الوسطاء يبحثون عن صيغة اتفاق، والمفاوضون يبحثون عن أرضية مشتركة، بينما يبدو نتنياهو متمسكًا بمنطق الحرب لكن الحرب لا يمكن أن تكون سياسة دائمة، ولا يمكن لرئيس حكومة أن يجعل مستقبل منطقة بأكملها رهينة لحساباته السياسية لذلك فإن تغيير الحكومة الإسرائيلية الحالية بات، بالنسبة إلى كثير من منتقدي نتنياهو، جزءًا من النقاش حول كيفية كسر الجمود السياسي وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة؛ مرحلة يكون فيها وقف إطلاق النار أولوية، وتكون فيها المفاوضات وسيلة للوصول إلى حل سياسي، لا مجرد جولات متكررة تنتهي بانهيار الاتفاقات.

إن إسقاط حكومة نتنياهو لا يعني إسقاط دولة أو شعب، بل يعني، في جوهر الطرح السياسي، إنهاء نهج حكومي أثبتت الحرب أنه غير قادر على إنتاج الأمن أو الاستقرار أو السلام فلا الأمن تحقق، ولا الحرب انتهت، ولا المنطقة اقتربت من الاستقرار وبينما يستمر سقوط الضحايا، يبقى نتنياهو أمام سؤال تاريخي لن يستطيع الهروب منه هل يريد أن يُذكر باعتباره الرجل الذي أنهى الحرب وفتح باب التسوية، أم باعتباره الرجل الذي أفشل فرص الهدنة مرة بعد أخرى وأبقى المنطقة أسيرة دائرة الدم؟

الشرق الأوسط بحاجة إلى من يوقف الحرب، لا إلى من يجد في كل اتفاق سببًا جديدًا لتأجيلها والعالم بحاجة إلى قرار واضح: لا يمكن أن تبقى حكومة نتنياهو عقبة أمام أي فرصة حقيقية لوقف نزيف غزة وفتح الطريق أمام السلام.