تمر اليوم ثلاثة عقود وثلاثة اعوام على توقيع اتفاق اوسلو الذي كان يهدف في جوهره الى رسم ملامح الدولة الفلسطينية المستقلة عبر مرحلة انتقالية لم تكتمل فصولها. يجد الفلسطينيون انفسهم اليوم امام واقع معقد حيث تحولت السلطة الى كيان يواجه تحديات وجودية وسط تراجع المساحات الخاضعة لسيطرتها وتصاعد وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية. وتكشف المعطيات الميدانية ان الاتفاق الذي كان من المفترض ان يؤسس للسلام اصبح في حالة من الجمود السياسي حيث لا هو ميت بالمعنى الحرفي ولا هو حي قادر على تحقيق اهدافه الوطنية.
واوضحت الوقائع ان وظيفة السلطة تغيرت بمرور الايام لتصبح محاصرة ومثقلة بالازمات الاقتصادية والامنية التي تنهك المواطن الفلسطيني. واكد المراقبون ان التحدي الرئيسي انتقل من بناء مؤسسات الدولة الى معركة الحفاظ على الوجود ومنع التهجير في ظل سياسات اسرائيلية تهدف الى تقويض اي فرص لقيام كيان فلسطيني مستقل.
مفهوم الاتفاق وتحولاته التاريخية
وبينت الوثائق التاريخية ان اتفاق اعلان المبادئ الموقع في سبتمبر عام 1993 نص على انسحاب القوات الاسرائيلية على مراحل من الضفة وغزة وانشاء سلطة حكم ذاتي مؤقتة. واشار الخبراء الى ان الاتفاق كان يطمح لإنهاء عقود من النزاع الا ان الواقع افرز تقسيمات جغرافية معقدة للمناطق الف وباء وجيم مما جعل السيطرة الفلسطينية محصورة في جزر معزولة.
واضاف المحللون ان اسرائيل لم تلتزم ببنود الاتفاق بل عملت على تعطيل المرحلة الانتقالية عبر التوسع الاستيطاني المتواصل. وشدد هؤلاء على ان سياسة الامر الواقع التي تتبعها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ادت الى تآكل صلاحيات السلطة وجعلت من اتفاق اوسلو مجرد اطار شكلي لا يحمي الحقوق الفلسطينية.
التصعيد الاسرائيلي ومستقبل السلطة
وكشفت التطورات الاخيرة ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزراء في حكومته مثل سموتريتش يسعون بشكل علني الى تقويض السلطة الفلسطينية. واظهرت الاجراءات المتخذة في الضفة الغربية وتوسيع البؤر الاستيطانية ان هناك توجها نحو ضم الاراضي بشكل فعلي وتجاوز اي التزامات سابقة.
وبينت التحليلات ان التنافس اليميني داخل اسرائيل على اضعاف السلطة وصل الى مراحل متقدمة عبر السماح للمستوطنين بالسيطرة على مناطق كانت تعد محرمة. واكدت التقارير ان استباحة الاراضي الفلسطينية وفتح سجلات العقارات امام الاسرائيليين يمثل ضربة قاضية لما تبقى من اتفاق اوسلو على الارض.
تمسك السلطة بالنهج السلمي
واكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مناسبات عدة تمسكه باتفاق اوسلو والاتفاقات اللاحقة كخيار استراتيجي للعمل السياسي. واشار عباس الى ان العودة لتنفيذ الاتفاقات هي السبيل لمواجهة الانتهاكات والسياسات الاحادية التي تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية.
واضاف ان السلطة تصر على نهجها السلمي رغم كل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة والحروب المدمرة. وخلص الى ان التاريخ سيظل شاهدا على هذا المسار في ظل استمرار التجاذبات بين المنطق السلمي والواقع الميداني الذي تفرضه سياسات الاحتلال.
