يستعد صناع الفيلم الوثائقي نازا لعرض عملهم المثير للجدل في نيويورك خلال الايام القادمة، وذلك بالتزامن مع وجود رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في المدينة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة. ويأتي هذا العرض وسط تصاعد حدة التوتر السياسي والقانوني، حيث يواجه الفيلم الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية حملة شرسة من السلطات الاسرائيلية التي تسعى لتقويض تاثير المعلومات الصادمة التي تضمنها حول العمليات العسكرية في غزة.

واكد نتنياهو في تصريحات رسمية عزمه المضي قدما في سن قوانين صارمة تستهدف مخرجي الفيلم يوفال ابراهام وراحيل تسور، موضحا ان هذه التشريعات تهدف الى سحب الجنسية من كل من يساهم في تشويه صورة جنود الجيش الاسرائيلي. واضاف ان الحكومة ستعمل ايضا على فرض عقوبات مالية قاسية من خلال رفع قيمة التعويضات في قضايا التشهير، مشددا على ان هؤلاء الاشخاص لم يعد لهم مكان داخل المجتمع الاسرائيلي بحسب تعبيره.

وكشفت مصادر مطلعة ان حالة من الغضب تسيطر على الاوساط السياسية في تل ابيب، حيث يحاول المقربون من رئاسة الحكومة التقليل من اهمية الانتشار العالمي للفيلم. وبين الناطق باسم رئيس الحكومة درورون شبيلمان ان هناك خططا يجري تبلورها للرد بشكل مهني وقوي على المحتوى الذي يقدمه الوثائقي، زاعما ان التاثير الحالي للفيلم لا يزال محدودا في الاسواق الدولية.

مواجهة بين الروايات والواقع

واظهرت استطلاعات الرأي التي اجرتها القناة الثانية عشرة الاسرائيلية انقساما واضحا في الشارع، حيث ابدى نحو ثمانية واربعين في المئة من المشاركين تأييدهم لمنع عرض الفيلم داخل اسرائيل. واوضح التقرير ان نسبة كبيرة من الجمهور لا تزال ترفض تصديق الشهادات التي وردت في الوثائقي بخصوص القتل المتعمد، بينما اعربت اقلية عن قناعتها بالحقائق التي عرضها المخرجان.

واشار مراقبون الى ان الفيلم يفرض نفسه كواقع لا يمكن تجاوزه، حيث يجبر المجتمع الاسرائيلي على مواجهة ممارسات عسكرية استمرت لسنوات تحت غطاء من السرية والتعتيم. واضاف هؤلاء ان المخرجين يتعرضان لحملة تحريض واسعة شملت رسائل تهديد بالقتل ومظاهرات امام منازل عائلاتهم، في محاولة لثنيهما عن مواصلة عرض الحقائق التي تضمنها الفيلم.

واكد الصحفي جدعون ليفي في مقال له ان الهيستيريا التي تظهرها المؤسسة الاسرائيلية تعكس خوفا من انكشاف الوجه الحقيقي للعمليات العسكرية. وتابع موضحا ان الفيلم نجح في تفكيك حالة الانكار الجماعي التي عاشها المجتمع لسنوات طويلة، معتبرا ان الغضب الرسمي هو دليل على ان العمل قد لامس حقائق مؤلمة وجوهرية كانت مخفية عن الانظار.

كواليس صناعة الوثائقي المثير

ويستعرض الفيلم الذي تصل مدته الى ثمانين دقيقة مقابلات حصرية مع عناصر من الاستخبارات الاسرائيلية، حيث يروون تفاصيل دقيقة حول استخدام انظمة الذكاء الاصطناعي في تحديد الاهداف. واوضح المشاركون في الفيلم انهم كانوا يشعرون وكأنهم يعملون داخل مصنع للقتل، واصفين التجربة بأنها اقرب الى لعبة الكترونية فتاكة منها الى عمليات عسكرية تقليدية.

واضاف المخرجان في اكثر من مناسبة ان الهدف من الفيلم هو تسليط الضوء على المعايير التي يتم من خلالها حساب اعداد المدنيين المسموح بقتلهم في كل ضربة. وشددا على ان المعلومات التي تم كشفها تستند الى شهادات حية من داخل المنظومة الامنية، مما يجعل من الصعب على الجهات الرسمية نفيها بشكل قاطع امام المحافل الدولية.

وبينت التحليلات ان الفيلم نجح في اختراق حاجز الصمت، مما دفع الكثيرين للمطالبة بفتح نقاش حقيقي حول مجريات الحرب. واختتم المحللون ان ردة الفعل العنيفة من السلطات تؤكد ان الفيلم قد نجح في تحقيق هدفه بوضع الحقائق امام الراي العام العالمي، مما يجعله وثيقة تاريخية يصعب محوها مهما بلغت حدة التهديدات.