تجد المصالحة السعودية الايرانية نفسها امام منعطف حاسم في ظل تصاعد التحركات العسكرية للحوثيين في محيط مضيق باب المندب، وهي خطوة يراها المراقبون تهديدا مباشرا لامن الملاحة الدولية واستقرارا يضع الالتزامات المتبادلة بين الرياض وطهران تحت مجهر الاختبار الصعب. واظهرت تقارير استخباراتية وتحركات ميدانية ان خبراء من الحرس الثوري الايراني اشرفوا على عمليات لوجستية وعسكرية معقدة في مناطق استراتيجية يمنية مطلة على البحر الاحمر، بما في ذلك حفر انفاق وتركيب رادارات متطورة لتعزيز قدرات الجماعة المسلحة في المنطقة. واكد محللون ان هذه التطورات لا تمثل مجرد خرق لاتفاق بكين الموقع برعاية صينية، بل تثير تساؤلات جوهرية حول مدى جدية طهران في كبح انشطة اذرعها الاقليمية التي تستمر في توظيف التوترات لفرض اجندات ضاغطة على دول الجوار.
اختبار عملي لالتزامات بكين
وبين الدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للابحاث ان اتفاق المصالحة الذي انطلق في مارس قبل عامين قام بشكل اساسي على مبدا احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون الذي يبدو اليوم الاكثر عرضة للانتهاك. واضاف ان التحرك الايراني عبر وكلائها قرب باب المندب يتناقض كليا مع روح بناء الثقة التي استند اليها الاتفاق، مشددا على انه لا يمكن الحديث عن استقرار اقليمي ما دامت طهران تواصل دعم جماعات مسلحة تضع الامن الدولي في دائرة الخطر. واوضح ان التعهدات يجب ان تشمل كافة الممارسات غير المباشرة، معتبرا ان استمرار هذه السياسات يعد خرقا فاضحا يضع مصداقية الدور الصيني كوسيط دولي امام تحديات حقيقية.
سياسة الوكلاء وتهديد الملاحة
واشار المحلل السياسي الدكتور خالد الهباس الى ان سياسة الميليشيات تعد الاداة المفضلة لطهران لتوسيع نفوذها وتجنب المواجهة المباشرة، حيث يعمل الحرس الثوري على تدريب هذه الجماعات لتكون ورقة ضغط عند الحاجة. واكد ان استهداف الملاحة الدولية في البحر الاحمر ليس مجرد تصعيد محلي، بل هو محاولة لرفع تكاليف الطاقة وارباك سلاسل الامداد العالمية، مما يفرض على المجتمع الدولي تحركا جماعيا لا يقتصر على المملكة وحدها. وبين ان الرياض ورغم تمسكها بالخيار الدبلوماسي، تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن مصالحها وفق المواثيق الدولية، مشددا على ان استمرار الاستفزازات الايرانية قد يدفع السعودية لاعادة تقييم جدوى الاتفاق في ظل غياب الالتزام الفعلي.
مستقبل الاتفاق ودور الوسيط الصيني
واوضح الدكتور سمير صالحة استاذ القانون الدولي ان مرحلة الاختبار قد تجاوزت الحدود الدبلوماسية، حيث اصبح من الواضح ان طهران تعتمد استراتيجية مغايرة لما تعهدت به في بكين. واضاف ان الكرة الان في ملعب الصين التي باتت مطالبة بالتحول من دور الراعي الرمزي الى دور الضامن الفاعل، اذ ان تضارب المصالح بين بكين وطهران من جهة وبين الصين ودول الخليج من جهة اخرى يضع بكين في موقف دقيق وحرج. وشدد على ان نجاح الاتفاق مرهون بقدرة الصين على ممارسة ضغوط حقيقية تضمن كبح جماح الاذرع الايرانية، مؤكدا ان المملكة لن تكتفي بالوعود وسوف تواصل البحث عن بدائل استراتيجية تضمن امنها الوطني في ظل التحولات الاقليمية المتسارعة.
