يشهد مجلس النواب الليبي حالة من الاحتقان السياسي غير المسبوق في ظل تحركات يقودها عدد من النواب تهدف الى اعادة هيكلة رئاسة المجلس وتعديل لائحته الداخلية، وهي الخطوة التي اصطدمت بمعارضة قوية من قبل مؤيدي القيادة الحالية، مما اثار مخاوف جدية من تعطل العمل التشريعي ودخول البلاد في نفق مظلم من الانقسام المؤسسي، خاصة بعد محاولات عقد جلسة طارئة قوبلت بالمنع الميداني في بنغازي.

واكدت مصادر برلمانية ان الخلاف يتمحور حول الرغبة في احداث تغييرات جوهرية داخل هيئة الرئاسة التي يتراسها عقيلة صالح منذ سنوات طويلة، حيث انقسم الاعضاء الى معسكرين متباينين، احدهما يرى ضرورة التغيير لضمان فاعلية العمل، والاخر يرى في هذه التحركات محاولة لزعزعة استقرار المؤسسة الوحيدة التي حافظت على تماسكها نسبيا طوال الفترة الماضية.

وبينت تقارير ميدانية ان السلطات الامنية منعت عشرات النواب من دخول مقر المجلس لعقد اجتماع كان من المقرر ان يناقش اصلاحات داخلية، وهو ما دفع النواب المعترضين الى اصدار بيان تمسكوا فيه بحقهم في ممارسة مهامهم من اي مدينة ليبية اخرى، ملوحين باللجوء الى مواد اللائحة الداخلية لفرض واقع سياسي جديد ينهي هيمنة القيادة الحالية.

تباين المواقف حول شرعية الجلسات

واوضح عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي ان ما يجري لا يعدو كونه خلافات شخصية لا تعبر عن توجه عام داخل المؤسسة، نافيا وجود تحركات رسمية لاقالة هيئة الرئاسة، ومؤكدا ان الجلسات التي لا تاتي بدعوة رسمية لا تكتسب اي صفة قانونية تذكر.

واضاف المتحدث باسم المجلس عبد الله بليحق ان الاجراءات التي اتخذت في محيط مقر البرلمان كانت روتينية ولا علاقة لها بمنع اعمال تشريعية، مشددا على ان اي جلسة لم تكن مدرجة في جدول الاعمال الرسمي تعتبر باطلة ولا يعتد بها، وهو الموقف الذي دعمته وثيقة وقعها عدد كبير من النواب لنفي علمهم باي دعوات لاجتماعات طارئة.

وكشفت مصادر مطلعة ان حالة الاستقطاب داخل البرلمان قد تؤثر بشكل مباشر على المسارات السياسية الاخرى، بما في ذلك التفاهمات المتعلقة بالقوانين الانتخابية التي توصلت اليها لجنة 4+4، حيث يخشى المراقبون من ان يؤدي تعثر عمل البرلمان الى عرقلة التعديلات الدستورية المطلوبة لاجراء الانتخابات الوطنية.

مخاطر الانقسام وانعكاساته على الدولة

وحذر خبراء قانونيون ومستشارون سابقون من ان استمرار هذا التجاذب قد يفضي الى انقسام فعلي في جسد مجلس النواب، بحيث نشهد وجود برلمانين في شرق وغرب البلاد، وهو سيناريو من شأنه ان يكرس حالة الانقسام السياسي التي تعاني منها مؤسسات الدولة الليبية منذ سنوات.

واشار المستشار جمعة ابو زيد الى ان انقسام البرلمان سيمثل ضربة قاصمة لجهود توحيد السلطة التشريعية، داعيا الاطراف الى تغليب المصلحة الوطنية والتركيز على مبادرات المبعوثين واللجان الفنية التي تعمل على صياغة قاعدة دستورية تنهي المرحلة الانتقالية وتوصل البلاد الى صناديق الاقتراع.

وختمت المصادر البرلمانية بالتأكيد على ان الحل يكمن في وجود وساطات اجتماعية وسياسية لتقريب وجهات النظر، مع طرح مقترحات تتضمن ضخ دماء جديدة في لجان المجلس كخطوة تمهيدية، وتقديم ضمانات متبادلة تمنع تحويل الخلافات السياسية الى اداة لتعطيل مصالح الليبيين والمسار الديمقراطي.